الجزائر
الجزائر: من أهم بلدان الطريقة التجانية وأوثقها صلةً بمؤسسها
تحتل الجزائر مكانة مركزية كبرى في تاريخ الطريقة التجانية. فكما أن المغرب هو البلد الذي تُوفِّي فيه سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه، ودفن فيه، وتوجد به الزاوية الأم بفاس، فإن الجزائر أيضاً بلد وثيق الصلة بالشيخ المؤسس للطريقة.
ففي الجزائر تقع عين ماضي، وهي البلدة التي وُلد بها سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه. وفي هذه الأرض أيضاً عاش بعض أبنائه المباشرين وأحفاده المباشرين قبل أن ينتقل بعضهم إلى المغرب، ومنهم سيدي محمود بن سيدي محمد البشير بن سيدي محمد الحبيب بن سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه.
كما أن عدداً من أصحاب الشيخ المباشرين كانوا من أهل هذا البلد، أو عاشوا فيه، وانتشرت أنوار الطريقة في مدنه ومواطنه المختلفة، مثل:
عين ماضي
الأغواط
وادي سوف
سيدي بوسمغون
وهران
تماسين
وغيرها.
ولهذا فإن الجزائر ليست مجرد بلد من بلدان التجانية، بل هي من أرسخ أوطانها، وأشدها اتصالاً بجذور الطريقة، وتاريخها، وبيوتها الشريفة، وزواياها الكبرى.
سيدي أحمد سكيرج والجزائر: صلة متينة ودور متواصل
كانت علاقة العلامة سيدي أحمد سكيرج بالجزائر علاقة متينة ومتواصلة وعميقة. فقد قام بزيارتين كبيرتين إلى هذا البلد، التقى خلالهما بكبار علمائه، وأعيانه، ومفتييه، ومقدميه، وأعلام الطريق فيه.
وكان يجيب عن أسئلة بعضهم، ويكاتب بعضهم، ويناقش معهم القضايا العلمية والروحية، ويتولى الدفاع عن الطريقة التجانية في وجه الانتقادات والهجمات التي كانت تُوجَّه إليها في تلك المرحلة.
بل إن خليفة تماسين كان يطلب منه في أكثر من مناسبة أن يتولى الرد على المهاجمين للطريقة من خلال منشوراتهم وكتاباتهم. وهذا يدل على أن سيدي أحمد سكيرج كان يُنظر إليه في الجزائر بوصفه مرجعاً كبيراً في نصرة الطريقة، والذب عنها، وكشف الشبه المثارة حولها.
الغرب الجزائري: الحظ الأوفر من الرسائل والصلات
تشير النصوص إلى أن المنطقة الغربية من الجزائر كانت لها حصة الأسد من الرسائل المتبادلة مع سيدي أحمد سكيرج، وخاصة:
تلمسان
وهران
سيدي أبي العباس
ندرومة
ويرجع ذلك إلى أمرين رئيسيين:
أولهما: كثرة أصدقائه، وتلامذته، ومحبّيه في تلك الجهة.وثانيهما: زياراته المتكررة لتلك المناطق.
ويزاد على ذلك أن سيدي أحمد سكيرج كان في عقد العشرينات من القرن الميلادي الماضي على رأس القضاء في وجدة ونواحيها، وهي مدينة محاذية للحدود الجزائرية المغربية، مما جعل التواصل بينه وبين علماء الجزائر، وخاصة غربها، سهلاً وميسوراً للغاية.
الرسائل في نشر الطريقة والدفاع عنها
لقد ساهمت الرسائل المتبادلة بين سيدي أحمد سكيرج وأعلام الجزائر مساهمة كبيرة في نشر الطريقة الأحمدية التجانية في ذلك القطر، لما كانت تحمله من ثقل علمي وأدبي وفكري ظاهر.
كما ساهمت أيضاً في الدفاع عن عرين الطريقة، والتصدي للمتربصين بها من خصومها، وكثير منهم كانوا يومئذ من الاتجاهات المتشددة، ومن الجماعات التي سُمّيت بالسلفية وغيرها.
وقد تصدى عدد من هذه الرسائل، ولاسيما ما كان منها موجهاً إلى جريدة البلاغ الجزائرية، للرد على أصحاب الفكر الظلامي الذين كانوا يهاجمون أهل التصوف والطريقة.
مؤلفات سيدي أحمد سكيرج الموجهة إلى السياق الجزائري
ومن الأمور البارزة أن كثيراً من مؤلفات سيدي أحمد سكيرج في الرد على المنكرين انصرفت إلى القطر الجزائري، ومن ذلك:
الإيمان الصحيح، في الرد على مؤلف الجواب الصريح، وهو رد يتصل بما أثير في محيط عبد الحميد بن باديس
عقد المرجان، الموجه إلى الشيخ محمد بن سليمان
تنبيه الإخوان، على أن الطريقة التجانية لا يلقنها إلا من له إذن صحيح، ولا يصح أخذها عمن يلقن غيرها من الطرق.
وكان الكتابان الأخيران موجَّهين إلى الشيخ محمد بن سليمان الندرومي، مما يبين أن الجدل الجزائري كان في صميم اهتمام سيدي أحمد سكيرج.
الجزائر في رحلاته ومسامراته وكتاباته
كان للجزائر حضور واضح في مؤلفات سيدي أحمد سكيرج الرحلية والأدبية والعلمية. ومن ذلك:
الرحلة الحبيبية الوهرانية، الجامعة لللطائف العرفانية
شحذ الأذهان، فيما رأيته بوهران ومستغانم وأبي العباس وتلمسان
شبه رحلة إلى الجزائر
الاغتباط بالجواب عن الأسئلة الواردة علينا من الأغواط
وعدد من المسامرات، ومنها مسامرته التي ألقاها في نادي الترقي بالجزائر باقتراح من رئيسه أحمد توفيق المدني، واختار أن يسميها:هدية الزائر، لنادي الترقي بالجزائر.
وهذا كله يدل على أن الجزائر لم تكن مجرد محطة في حياة سيدي أحمد سكيرج، بل كانت مجالاً حقيقياً للتأمل، والكتابة، واللقاء، والتفاعل العلمي والروحي.
عين ماضي وأحفاد الشيخ في صلة دائمة به
كانت عين ماضي حاضرة بقوة في كتابات سيدي أحمد سكيرج وتقايده. وكان على تواصل تام مع الأشراف من أحفاد الشيخ المقيمين بها، كما كان على صلة بغيرهم من أبناء البيت التجاني الشريف في مناطق أخرى من الجزائر.
ومن أبرزهم سيدي محمود بن سيدي محمد البشير التجاني، المولود بعين ماضي سنة 1297هـ، والذي تولى الخلافة بعد وفاة أخيه سيدي محمد الكبير. وقد أفرده سيدي أحمد سكيرج بتأليف مستقل سماه:
غاية المقصود بالرحلة مع سيدي محمود
وهذا وحده كافٍ لبيان ما كانت له من مكانة خاصة عنده.
بل ورد أن السلطان السابق المولى عبد الحفيظ بعث إلى سيدي أحمد سكيرج يسأله عن مرتبة الشريف سيدي محمود ومقامه، فأجابه سيدي أحمد سكيرج بعد كلام طويل بأنه كان ملامتيّاً في الطريق، وأن أحوال الملامتية لا توزن بميزان، ثم ذكر أنه شاهد من أحواله ما لا يصبر عليه إلا من سلم لأهل الله في أحوالهم.
تماسين وحفدة سيدي علي التماسيني
كما كانت صلة سيدي أحمد سكيرج متينة بحفدة سيدي علي بن عيسى التماسيني رضي الله عنه، أحد كبار أصحاب الشيخ أبي العباس التجاني رضي الله عنه.
وكان سيدي أحمد سكيرج شديد الاهتمام بهذه الذرية الكريمة، حريصاً على لقاء من يحل منهم بالمغرب، وقد سجل كثيراً من لقاءاته معهم في مؤلفاته وكنانيشه.
ومن أمثلة ذلك رسالة سيدي علي بن محمد العيد التماسيني التي يعبّر فيها عن شوقه إلى لقاء سيدي أحمد سكيرج، والمذاكرة معه فيما كان عليه الشيخ من الأذكار والأسرار. وهي رسالة تكشف بوضوح مقدار التقدير الذي كان يكنه له أهل تماسين، واعترافهم بمكانته في علوم الطريق وأسراره.
المفتيون والعلماء الجزائريون في مراسلة دائمة معه
كان عدد من العلماء والمفتين الجزائريين في صلة مستمرة بسيدي أحمد سكيرج، ومنهم:
فخار مصطفى مفتي المدية
الحبيب بن عبد المالك، مفتي وهران، ومن خيرة علمائها ومقدم الطريقة بها.
أما الحبيب بن عبد المالك فقد كانت تربطه بسيدي أحمد سكيرج صداقة وأخوة متينة. وهو الذي استدعاه إلى وهران سنة 1329هـ / 1911م، فلبى الدعوة، وألف حول هذه الزيارة كتابه المشهور:
الرحلة الحبيبية الوهرانية، الجامعة لللطائف العرفانية
ثم ذيّل هذه الرحلة بذكر من اجتمع بهم من علماء البلد ومقدميه وأخيار أهله.
كما تكشف رسائله عن كثافة التبادل بينهما في الكتب، والمشاريع، والزيارات، وشؤون الإخوة والطريق.
الجزائر: أرض نسب، وصحبة، وعلم، ودفاع عن الطريقة
إن المثال الجزائري يبين أن الطريقة التجانية في هذا البلد لم تكن مجرد أوراد وممارسة تعبدية، بل كانت قائمة على أسس متينة، منها:
نسب الشيخ ومولده
حضور ذريته الشريفة
أثر أصحابه المباشرين
الزوايا التاريخية
العلماء والمفتون
المراسلات العلمية
والردود على الخصوم والمخالفين.
وفي هذا كله كان سيدي أحمد سكيرج من أبرز الوجوه التي خدمت الطريقة في الجزائر، زيارةً، ومراسلةً، وتأليفاً، ودفاعاً، وربطاً بين فروعها الكبرى وأعلامها الكبار.
خاتمة
تُعد الجزائر من أعظم بلاد الطريقة التجانية، لما لها من الصلة المباشرة بسيدي أحمد التجاني رضي الله عنه مولداً، وأسرةً، وصحبةً، وزوايا، وامتداداً علمياً وروحياً.
وقد أسهمت الصلات الوثيقة التي جمعت علماءها، ومفتييها، وخلفاءها، وحفدة الشيخ فيها بـ العلامة سيدي أحمد سكيرج في ترسيخ هذه المكانة. ومن خلال رحلاته، وكتاباته، وأجوبته، وردوده، ومجالسه، ومراسلاته، أدى دوراً عظيماً في نشر الطريقة والدفاع عنها وإبراز مكانتها في الجزائر.
أعلام مرتبطون
(0)كتب مرتبطة
(0)مقالات مرتبطة
(0)مراجع ببليوغرافية
(3)هذه المراجع متصلة بهذه المنطقة كما ورد في مواد الخريطة الوثائقية.


