السيرة العلمية
يُعدّ العلّامة العارف بالله سيدي الأحسن بن محمد بن أبي الجماعة البعقيلي من أبرز أعلام الطريقة الأحمدية التجانية في سوس والمغرب خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري. جمع بين التكوين العلمي المتين، والذوق الصوفي العميق، والإنتاج التأليفي الغزير في التفسير والحديث والفقه والأصول والعقيدة والتصوف، فكان من كبار رجالات عصره علماً وتربيةً وتأثيراً.
مولده ونسبه
أبصر نور الحياة بقرية إكضي من قبيلة إداوبعقيل بمنطقة سوس سنة 1301هـ / 1881م.
وينتهي نسبه إلى الولي الصالح الحاج بلقاسم المتوفى سنة 971هـ، وهو الذي تنتسب إليه أشراف قبيلة بعقيلة. كما يتصل نسبه الشريف بآل البيت النبوي، من جهة الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ومولاتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو نسب مشهور متداول عند أهل منطقته.
تكوينه العلمي
أخذ العلم عن جماعة من كبار علماء سوس، فبدأ التحصيل على يد سيدي أحمد المافاماني، ثم انتقل إلى المدرسة الإلغية فتتلمذ بها للعلامة أبي القاسم التاجرمونتي، وبعدها إلى المدرسة البوعبدلية حيث تلقى علماً كثيراً على يد الفقيه سيدي المحفوظ الأدوزي.
ثم لازم مدرسة تازنتوت بقبيلة إدوتنان، وتتلمذ فيها للعلامة الفقيه سيدي أحمد البوزوكي، حتى إن شيخه كان ينيبه عنه في التدريس والخطبة والإمامة وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، مما يدل على نبوغه المبكر وثقة شيوخه فيه.
وبعد ذلك رحل إلى مدرسة الإخليج بقبيلة أوريكا، فتتلمذ بها للفقيه سيدي علي المسفيوي، ثم ختم مساره العلمي في آيت وافقا على يد العلامة الكبير سيدي مسعود الوفقاوي، قبل أن ينتقل إلى فاس ويتابع تحصيله بجامع القرويين مدة تقارب السنة.
انخراطه في الطريقة التيجانية
تمسك سيدي الأحسن البعقيلي بالطريقة التجانية سنة 1321هـ على يد شيخه في التحصيل سيدي علي المسفيوي، وكان يومئذ في حدود العشرين من عمره. ثم أخذها أيضاً عن عدد من كبار أعلامها، منهم:
سيدي الحاج الحسين الإفراني
سيدي محمود حفيد الشيخ أبي العباس أحمد التجاني
سيدي عبد الله القشاش
كما تآخى فيها وتبادل الإفادة مع رفيقه سيدي علي الإساكي
وقد انتفع كثيراً من الحاج الحسين الإفراني الذي أجازه فيها إجازة شافية، كما أفاد فائدة عظيمة من الشريف سيدي محمود حفيد الشيخ التجاني، الذي أقبل عليه وأفرده بعناية خاصة.
مؤلفاته
خلّف سيدي الأحسن البعقيلي مؤلفات كثيرة في التصوف والتفسير والحديث والفقه والأصول والعقيدة وغيرها من العلوم. ومن أشهر كتبه:
إراءة عرائس شموس فلك الحقائق العرفانية، بأصابع حق ماهية التربية بالطريقة التجانية
الشرب الصافي، من الكرم الكافي، على جواهر المعاني
مقاصد الأسرار في التفسير، ويقع في خمسة أجزاء
النفحة الربانية في الطريقة التجانية
ومن مؤلفاته أيضاً كتب ورسائل أخرى، منها ما طُبع ومنها ما لا يزال مخطوطاً، مما يعكس غزارة إنتاجه وسعة معارفه.
تخصصه ومكانته العلمية
تتميز مؤلفات سيدي الأحسن البعقيلي بطابعها الصوفي الأصيل، وعمقها في قضايا السلوك والآداب والزهد والأحوال والمقامات والحقائق. وقد برع في تبسيط المعاني الروحية الدقيقة، وجعلها أقرب إلى فهم القراء على اختلاف مستوياتهم.
كما كان وفياً لفقه الطريقة، بارعاً في ترتيب قواعدها وشرح أصولها وتحليل مضامينها، وهو ما يظهر بوضوح في كتابه الإراءة وفي غيره من مؤلفاته الكبرى.
وكان له أيضاً منهج خاص في الدفاع عن الطريقة التجانية، إذ ألّف في هذا الباب تقييدات ورسائل رد فيها على خصومها بالحجة والدليل، من أشهرها كتابه الترياق لمن فسد قلبه ومزاجه، حيث أبان عن قوة في الحجاج وصراحة في الذب عن الحق.
عصره وصلاته برجالات الطريقة
عاش سيدي الأحسن البعقيلي في فترة تُعدّ من أخصب الفترات التي عرفتها الطريقة التجانية من جهة التأليف والنشر والدفاع العلمي، حتى وُصفت عند بعضهم بأنها العهد الذهبي للطريقة التجانية.
وقد عاصر نخبة من كبار أعلامها، من بينهم:
سيدي محمد العربي بن السائح
سيدي الحاج الحسين الإفراني
سيدي أحمد سكيرج
سيدي محمد الحجوجي
سيدي محمود بن المطمطية
وكان هؤلاء الأعلام متكاملين في العمل، متقاسمين للأدوار في خدمة الطريقة، يجمعهم الاحترام المتبادل والتعاون العلمي والروحي.
وفاته
توفي رحمه الله تعالى في الساعة الواحدة من ليلة الجمعة 10 شوال 1368هـ، بعد عمر حافل بالعطاء العلمي والروحي، وكان سنه عند وفاته 67 سنة.
وقد رثاه العلامة الأديب الشاعر سيدي داود بن عبد المنعم الرسموكي التيوتي بقصيدة مؤثرة، تشهد بما كان له من مكانة بين أهل العلم والفضل.
إرثه
ترك سيدي الأحسن البعقيلي إرثاً علمياً وروحياً متميزاً، وجمع بين التحقيق العلمي والعمق الصوفي والغيرة على الطريقة التجانية. ولا يزال يُنظر إليه بوصفه واحداً من كبار مؤلفيها وأشدهم بصمة في بيان حقائقها، وترتيب علومها، والدفاع عنها بقوة ووضوح.
