منطقة موثقة

تونس

تونس: حاضنة علمية كبرى للطريقة التجانية حول جامع الزيتونة

تحتل تونس مكانة بارزة في التاريخ العلمي للطريقة التجانية، إذ تحتضن واحدة من أعرق الجامعات في العالم الإسلامي، وهي جامعة الزيتونة، التي كانت عبر القرون منارة للعلم، ومقصداً للفقهاء، والمفتين، والأدباء، وأرباب السلوك والتربية.

وقد ترسخت الطريقة التجانية في تونس داخل هذا الإطار العلمي الرفيع. ومن أبرز الشخصيات المؤسسة لها في هذا البلد الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي، وهو من كبار علماء تونس، ومن شيوخ الزيتونة، ومن أعلام الطريقة التجانية بها. وكان قد أخذها عن سيدي الحاج علي حرازم برادة، الخليفة الكبير لسيدي أحمد التجاني رضي الله عنه. وهذا يبين عمق الجذور التجانية في تونس، وقدم اتصالها المباشر بالسلسلة الأولى للطريقة.

وانطلاقاً من هذا الأصل، كان عدد من المفتين وكبار الشيوخ والعلماء في الزيتونة تجانيين، وكان كثير منهم يكاتبون العلامة سيدي أحمد سكيرج، ويراجعونه في بعض الأحكام والفتاوى والمسائل المتعلقة بالطريقة، سواء من جهة أصولها أو من جهة تطبيقاتها أو من جهة الرد على المعترضين عليها.

ومن ثم فإن تونس لم تكن مجرد بلد انتشرت فيه الطريقة التجانية، بل كانت فضاءً علمياً وتربوياً وأدبياً تجلت فيه الطريقة في صورة مدرسة من مدارس العلم والذوق والأدب والتحقيق.

بدايات صلة سيدي أحمد سكيرج بأعلام تونس

ربط العلامة سيدي أحمد سكيرج علاقات طيبة ومتينة مع كثير من أعلام تونس. ويظهر أن هذه العلاقات بدأت في مرحلة مبكرة من حياته، خاصة من خلال صداقته الحميمة مع العالم الأديب سيدي عمر الرياحي، وهو من ذرية الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي.

وقد زار سيدي عمر الرياحي المغرب مرات عديدة، وكان أول لقاء له بالعلامة سكيرج في الزاوية الكبرى بمدينة فاس سنة 1328هـ تقريباً، ثم اجتمع به مرة أخرى بمدينة طنجة في الزيارة نفسها. وكان الأدب والشعر من أبرز القواسم المشتركة بين الرجلين، وهو ما يتجلى بوضوح في الرسائل الكثيرة والمطارحات الأدبية التي دارت بينهما على امتداد سنين.

وبعد هذا اللقاء الأول بنحو ست سنوات، زار سيدي أحمد سكيرج تونس بنفسه لأول مرة، وكان آنذاك عضواً في جمعية أوقاف الحرمين الشريفين، وقد انعقد اجتماع هذه الجمعية بمدينة تونس. وهناك توثقت صلاته بعدد من أعلام البلد وأعيانه، بل قال قصيدة في مدح باي تونس محمد الناصر بن محمد الحسيني، نالت إعجابه، فاستقبله فيما بعد ضمن وفد الجمعية ووشحه بوسام عال.

شبكة تجانية تونسية وثيقة الصلة بسيدي أحمد سكيرج

بفضل هذه البداية، توطدت علاقة سيدي أحمد سكيرج بعدد من خيرة أعلام الطريقة التجانية في تونس. وكان سيدي عمر الرياحي من أهم من مهد لهذه الصلات، وربطه بعدد من كبار رجال الأحمدية هناك.

ومن هؤلاء:

محمد الصادق بن الطاهر الرياحي

حمودة بن محمد تاج

محمد المختار شويخة

محمد البشير النيفر

محمد بن يوسف الحنفي

جلول بن محمد الجزيري

معاوية التميمي

وغيرهم.

وقد استفاد سيدي أحمد سكيرج كثيراً من هذه الصلات، فاجتمع بهؤلاء الأعلام، وجالسهم، وناقش معهم مسائل تتعلق بالتصوف والطريقة الأحمدية، واستقى منهم أخباراً ووقائع كثيرة تخص تاريخ الطريقة في تونس وتفاصيل وجودها العلمي والاجتماعي فيها.

وكانت زياراته المتكررة إلى تونس سبباً في تعميق هذا الاحتكاك. بل إنه عمد إلى طباعة بعض مؤلفاته في هذا البلد، بإشراف أحد أحب تلامذته إليه، وهو الأديب العلامة السيد معاوية التميمي، الذي عمل على نشر هذه المؤلفات في أنحاء تونس، بمعية العلامة الأديب جلول بن محمد الجزيري الحسيني، وهو أيضاً من مشاهير أعلام الأحمدية في تونس، وكانت تربطه بسيدي أحمد سكيرج علاقة متميزة.

صلاته بأعيان تونس ورجالها

لم تقتصر صلات سيدي أحمد سكيرج في تونس على أعلام الطريقة فحسب، بل كانت له أيضاً علاقات متينة مع بعض أعيان البلاد وكبار مسؤوليها ورجال القرار فيها، وكانت رسائلهم إليه رسائل إخاء وتقدير ومحبة.

ومن هؤلاء:

الهادي الأخوة الوزير الأكبر

مصطفى دنقزلي الذي تقلد بدوره الوزارة الكبرى

محمد الحبيب الجلولي وزير العدل، وكان من أعز أصدقائه

مصطفى الصفر شيخ مدينة تونس

محمد ابن الخوجة عامل مدينة بنزرت

أحمد بن الرايس وزير القلم

خليل بوحاجب شيخ مدينة تونس

وغيرهم.

وتكشف هذه الصلات أن سيدي أحمد سكيرج كان في تونس موضع تقدير واسع، لا باعتباره مجرد شيخ طريقة من خارج البلاد، بل باعتباره شخصية علمية وأدبية وروحية ذات وزن معتبر في الأوساط الرفيعة.

صلاته بكبار علماء وفقهاء تونس

إلى جانب الأعلام التجانيين، كانت لسيدي أحمد سكيرج أيضاً علاقات مع كبار علماء تونس وفقهائها ممن لم يكونوا بالضرورة تجانيين، ولكنهم كانوا يجلونه ويكاتبونه ويثنون عليه.

ومن هؤلاء:

محمد الجودي القيرواني

سالم بوحاجب

مفتي المالكية بلحسن بن محمد النجار

مفتي الحنفية أحمد بن محمد بن مصطفى بيرم

وهذا يدل على أن مكانة سيدي أحمد سكيرج تجاوزت الإطار الخاص بالطريقة، ليصبح محل احترام في الوسط العلمي التونسي الأوسع، لما عُرف به من علم، وأدب، وقوة تحرير، وإحاطة بمسائل الفقه والتصوف والطريقة.

ومما يلفت النظر في هذا الباب علاقة أحمد بيرم به، فقد كانت له فيه محبة خاصة، حتى كان يقول له: «أنت أنا، وأنا أنت»، وقد أجابه سيدي أحمد سكيرج بقصائد لطيفة تصور القرب الروحي والمحبة الصادقة.

سيدي عمر الرياحي: صداقة قديمة تجمع بين العلم والأدب والطريقة

من أبرز الشخصيات التونسية التي ارتبطت بسيدي أحمد سكيرج سيدي عمر بن محمد بن علي بن الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي. وكان فقيهاً، أديباً، مؤرخاً، ومن أعلام الطريقة التجانية بتونس، مشهوراً بالصلاح والعبادة والتقوى.

جمعته بالعلامة سكيرج صداقة قديمة، تشهد لها كثرة الرسائل والأجوبة والمطارحات التي دارت بينهما. وتمثل هذه العلاقة نموذجاً رفيعاً للتواصل بين رجال العلم والأدب والطريقة في الفضاء المغاربي التجاني.

حمودة بن محمد تاج: عالم زيتوني ورجل من أهل الطريقة

كان سيدي أبو محمد حمودة بن محمد تاج فقيهاً، أديباً، ومدرساً. أخذ العلم بجامع الزيتونة عن جماعة من كبار علمائها، منهم حسين بن أحمد، وسالم بوحاجب، ومحمد النجار، وعمار بن سعيدان، وغيرهم.

ثم تصدى للتدريس بجامع الزيتونة، فكان من خاصّة علمائها الكبار. وكان في الوقت نفسه من خواص أهل الطريقة الأحمدية التجانية، معتكفاً على أذكارها، متفانياً في محبتها. وتدل رسالته إلى سيدي أحمد سكيرج، وما صدر عنه من شعر في حقه، على ما كان يكنه له من إعجاب واحترام.

توفي سنة 1338هـ، ورثاه عدد من العلماء، منهم محمد بن يوسف الحنفي، وتلميذه المفتي محمود موسى.

محمد المختار شويخة: علم، إدارة، وخدمة للطريقة

أما محمد المختار شويخة، فقد كان من الأعلام الذين جمعوا بين العلم والأدب والوظائف العليا. فقد نشأ في محيط علمي، وتلقى العلم بجامع الزيتونة، وبلغ فيه درجة عالية، وأجاد الكتابة وصوغ الشعر والخط، وتقلد مناصب إدارية مهمة في الدولة التونسية.

ومع ذلك ظل وفياً للطريقة التجانية، معروفاً بالأمانة والنزاهة، وبالتعظيم الشديد لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وبالصبابة الكبرى في الشيخ رضي الله عنه وفي طريقته. ويجسد مساره صورة العالم التونسي الذي يجمع بين الثقافة الرفيعة، والمسؤولية العامة، والارتباط الروحي بالطريقة.

محمد البشير النيفر: فقيه وخطيب ومفتي ومدافع عن الطريقة

كان محمد البشير بن الشيخ أحمد النيفر من مشاهير أعلام تونس في القرن العشرين. فهو فقيه، ومدرس، وخطيب، ومفتي، وقاضٍ، وكان أيضاً تجاني الطريقة.

وتكشف مراسلاته مع سيدي أحمد سكيرج أن هذا الأخير كان يحثه على الكتابة في الدفاع عن الطريقة، ودحض ما يروجه خصومها من أكاذيب وافتراءات. وكان ذلك طبيعياً، لأن النيفر كان يتمتع بثقل علمي وثقافي وأدبي كبير في تونس، مما أهله لأن يكون من الأصوات القوية في نصرة الطريقة في بلده.

وهذا يبين أن علاقة سيدي أحمد سكيرج بعلماء تونس لم تكن علاقة مجاملة أو تواصل عاطفي فقط، بل كانت أيضاً علاقة تعاون فكري وعلمي وعملي في خدمة الطريقة ونشرها والذب عنها.

محمد الصادق الرياحي: وارث بيت الرياحي وصاحب إجازة واسعة

ومن الأعلام البارزين كذلك محمد الصادق بن الطاهر الرياحي، وهو من ذرية بيت الرياحي المشهور في تونس. وكان من كبار العلماء الذين جمعوا بين علوم الطريقة والعلوم النقلية والعقلية.

وقد طلب منه سيدي أحمد سكيرج الإجازة، فتوقف في أول الأمر حتى أجازه سكيرج، ثم أجازه هو بعد ذلك بما لديه في الطريقة التجانية، وفي العلوم العقلية والنقلية، طبق ما أخذه عن شيوخه. وهذه الواقعة تدل على ما كان بين الرجلين من أدب وتواضع متبادل، وتبادل علمي حقيقي بين وارثين من ورثة العلم والطريقة.

تونس مركز للطباعة والنشر والتثبيت العلمي للطريقة

من الخصائص اللافتة للتجانية في تونس أنها ارتبطت بـ:

جامع الزيتونة

دوائر التدريس

الزوايا

مجالس الأدب

والطباعة والنشر.

فقد وجد سيدي أحمد سكيرج في تونس ليس فقط إخواناً ومحبين، بل أيضاً شركاء في نشر مؤلفاته ومراجعتها وتوزيعها. وطُبع عدد من آثاره هناك، وانتشرت بإشراف بعض تلامذته التونسيين، مما يجعل تونس أحد المراكز المهمة في حركة تداول النص التجاني في المغرب الكبير.

خاتمة: تونس في التاريخ العلمي للطريقة التجانية

تظهر تونس في هذا السياق بوصفها واحداً من المراكز العلمية الكبرى للطريقة التجانية، المرتبطة بجامع الزيتونة، والممتدة في جذورها إلى سيدي إبراهيم الرياحي، الذي أخذ الطريقة عن سيدي الحاج علي حرازم برادة.

ومن خلال مفتيها، وعلمائها، وشيوخها، وأدبائها، ورجالها، لعبت تونس دوراً مهماً في حفظ الطريقة، وتعليمها، وشرح مسائلها، والرد عن حياضها، ونشر مؤلفاتها.

كما أن الصلات الوثيقة التي جمعت كبار علمائها بـ العلامة سيدي أحمد سكيرج تؤكد أن تونس كانت جزءاً أصيلاً من الشبكة العلمية التجانية الكبرى، التي ربطت بين فاس، وتونس، والقاهرة، وغرب إفريقيا، وغيرها من مواطن الإشعاع في العالم الإسلامي.

أعلام مرتبطون

(0)
لا توجد شخصيات مرتبطة بهذه المنطقة حالياً.

كتب مرتبطة

(0)
لا توجد كتب مرتبطة بهذه المنطقة حالياً.

مقالات مرتبطة

(0)
لا توجد مقالات مرتبطة بهذه المنطقة حالياً.

مراجع ببليوغرافية

(1)

هذه المراجع متصلة بهذه المنطقة كما ورد في مواد الخريطة الوثائقية.