Skiredj Library of Tijani Studies
وبعد فقد سألني أخٌ كريمٌ عن مسألةِ منْعِ الزيارة، التي هِيَ شرطٌ مِنَ الشرُوطِ الثلاثةِ الواجبةِ في طريقتِنَا الأحمديةِ، وهذا الأخُ هُوَ مِنْ أعرفِ الناسِ بهذا الشرطِ، لكنه سأَلَ مستفسرًا لماذا انفَرَدَتْ الطريقةُ التجانيةُ بهذا الشرطِ دونَ غيرِهَا، وما هُوَ دليلُ هذا الشرطِ في النَّصِّ إِنْ أردنا أَنْ نحتَجَّ بمشروعيتِهِ، فَأُجِيبُ هذا الأخَ الكريمَ بأن طريقتَنَا الأحمديةَ لم تنفَرِدْ بهذا الشرطِ كما يبدُو لكثيرٍ منَ الناسِ،
بل هُوَ من المُسَلَّمَاتِ لدى جُلِّ مشايخِ التصوفِ مِنْ ألفٍ إلى ياءٍ، لم يجعَلُوهُ مِنَ الشروطِ لأنَّهُ من المُسَلَّمَاتِ، فليْسَ منهُمْ إطلاقًا مَنْ يَرْضَى أَنْ يلتَفِتَ تلميذٌ من تلامذَتِهِ إلى شيخٍ آخرَ غيرِهِ، قالَ تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ،
وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، فالإخلاصُ مطلوبٌ منَ المريدِ في حقِّ شيخِهِ، بحيْثُ لا يجوزُ له أَنْ يلتَفِتَ عن حضرَتِهِ ولوْ بمقدارِ طرفَةِ عينٍ، لأنهُ سَيَخْسِرُ في تلكَ الطرفَةِ ما لا يستطيعُ اكتسَابَهُ على مَدَى عُمْرِهِ كلِّهِ، ومِنْ هذا البابِ ما جاء في كتابِ الإفادةِ الأحمدية، لمريد السعادة الأبدية، من قول سيدنا الشيخِ رضي الله تعالى عنه، قال: قَالَ لِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَسْأَلَةٌ أَغْفَلَهَا الشُّيُوخُ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخَذَ عَنْ شَيْخٍ وَزَارَ غَيْرَهُ مِنَ الأَوْلِيَاءِ لَا يَنْتَفِعُ بِالأَوَّلِ وَلَا بِالثَّانِي.
وإذا نَظَرْنَا إلى أهلِ الطرُقِ الصوفيةِ الأخرى نَجِدُ أنهُمْ قَسَّمُوا مُرِيدِيهِمْ إلى قسمينِ، قسمٍ للتبركِ، وقسمٍ آخرَ للإستمدادِ، أما القسمُ الأولُ وهم المُتَبَرِّكُونَ فلا يَرَى شيوخُ هذِهِ الطُّرُقِ بأسًا في التِفَاتِ هؤلاءِ لهذَا الشيْخِ أَوْ لِذَاكَ، أما القسمُ الثاني وهُمْ أهلُ الإستمدادِ فيَمْنَعُونَهُمْ مِنَ الإجتماعِ بغيرِهِمْ، وهناكَ حكاياتٌ وأقوالٌ كثيرةٌ في هذا البابِ، فمَنْ خالفَ منهُمْ واجتمَعَ بغيْرِ شيخِهِ خَسِرَ خُسرانًا مُبينًا، ومخالفَةُ الشيوخِ سُمٌّ قاتلٌ، ولهذَا قال سيدُنَا الشيخُ رضي الله عنه: ذنوبُ الشيوخِ لَا تُغْفَرْ،
قُلْتُ: حَضَرْتُ مَرَّةً مَعَ الفَقِيهِ المُقَدَّمِ الحَاجِّ لَحْسَنْ الفَطْوَاكِي الدَّمْنَاتِي فِي بَيْتِهِ دَاخِلَ الزَّاوِيَةِ، وَكَانَ مَعَنَا بَعْضُ الأَشْخَاصِ مِنْ مُحِبِّيهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ كَلَاماً يُوحِي بِنَدَمِهِ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ مِنْ ذُنُوبٍ وَآثَامٍ وَمُوبِقَاتٍ وَكَبَائِرَ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَى بَعْضِ مَا اقْتَرَفَتْهُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ، فَقَالَ لَهُ المُقَدَّمُ: يَا فُلَانُ أَنْتَ لَا تَعْرِفُ الكَبَائِرَ مِنَ الصَّغَائِرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكَ أَنْ تُقَيِّمَ ذُنُوبَكَ وَتَعْرِفَ الأَكْثَرَ فَضَاعَةً فِيهَا مِنْ غَيْرِهَا، فَقَالَ: لَا أَنَا أَعْرِفُهَا يَا سَيِّدِي كَمَا أَعْرِفُ أَصَابِعِي، فَأَنَا الَّذِي اقْتَرَفْتُهَا لَسْتَ أَنْتَ.
فَقَالَ لَهُ المُقَدَّمُ: اسْمَعْ يَا فُلَانُ ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الخَيْرِ أَنَّهُ الْتَقَى فِي شَبَابِهِ بِرَجُلٍ مِنْ كِبَارِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَدِينَةِ مُرَّاكُشَ، فَأَخَذَ عَنْهُ، وَتَتَلْمَذَ عَلَيْهِ وَانْتَفَعَ بِهِ، ثُمَّ شَاءَتْ الظُّرُوفُ أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ الشَّخْصُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ بَعِيدٍ عَنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، مِنْ جِهَةِ الصَّحْرَاءِ، فَأَقَامَ هُنَاكَ مُدَّةَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ بِقَلِيلٍ، وَتَعَرَّفَ بِهَا بِشَيْخٍ صَحْرَاوِي مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، فَكَانَ كُلَّمَا الْتَقَى بِهِ يَتَأَدَّبُ مَعَهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَذَكَرَ لِي أَنَّهُ ارْتَكَبَ خِلَالَ مُقَامِهِ بِذَلِكَ البَلَدِ ذُنُوباً وَآثَاماً كَثِيرَةً، وَتَغَيَّرَتْ عَلَيْهِ حَالَتُهُ، وَافْتَقَدَ كَثِيراً مِمَّا كَانَ يَجِدُهُ مِنْ صَفَاءٍ وَسَكِينَةٍ إِبَّانَ مُقَامِهِ بِالعَاصِمَةِ الحَمْرَاءِ مُرَّاكُشَ.
فَشَدَّ الرِّحْلَةَ لِزِيَارَةِ شَيْخِهِ بِمَدِينَةِ مُرَّاكُشَ، مَعَ خَوْفِهِ مِنْ مُلَاقَاتِهِ بِسَبَبِ مَا كَانَ مُتَلَطِّخاً بِهِ مِنْ ذُنُوبٍ وَمَعَاصِي وَآثَامٍ كَثِيرَةٍ، كَانَ يَعُدُّهَا بِأَصَابِعِهِ عَدّاً، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِشَيْخِهِ أَعْرَضَ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يَعْبَئْ بِوُجُودِهِ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ غَمّاً شَدِيداً، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: وَاللَّهِ مَا أَعْرَضَ عَنِّي شَيْخِي إِلَّا بِسَبَبِ الذَّنْبِ الفُلَانِي وَالفُلَانِي وَالفُلَانِي، وَذَكَرَ بَعْضاً مِنَ الكَبَائِرِ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِهِ فِي اليَوْمِ المُوَالِي، وَطَلَبَ مِنْهُ المُسَامَحَةَ، فَخَاطَبَهُ شَيْخُهُ قَائِلاً: يَا فُلَانُ سَامَحْنَاكَ فِي الذَّنْبِ الفُلَانِي وَالفُلَانِي وَالفُلَانِي، وَذَكَرَ لَهُ بَعْضاً مِنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي كَانَ يَخَافُ مِنْهَا أَشَدَّ الخَوْفِ، لَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي إِذَنْ بِأَيِّ ذَنْبٍ تُؤَاخِذُنِي؟ قَالَ: أَنَا سَامَحْتُكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي اجْتِمَاعِكَ بِغَيْرِنَا وَالْتِفَاتِكَ عَنْ حَضْرَتِنَا فَهَذَا لَا أُسَامِحُكَ فِيهِ، وَذُنُوبُ الشُّيُوخِ لَا تُغْتَفَرْ، فَلَا تُشْرِكْ فِي مَحَبَّتِنَا أَحَداً إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ مِنَ النَّفَرِ.
أما عَنِ السؤالِ الثاني المتعلقِ بدليلِ شرطِ منْعِ الزيارةِ، إِنْ أَرَدْنَا أَنْ نبحَثَ عن دليلِهَا في النصِّ، فالنصوصُ في ذلك يا سيدي كثيرةٌ لا حصْرَ لَهَا، لكِنْ لا بأْسَ أَنْ نسُوقَ لكَ واحدًا مِنْ هذِهِ النصوصِ، وهو أَنَّ الشريفَ البركةَ الملَامِتِيَ سيدي مَحَمَّدَ بْنَ أبي النصرِ العلوي السجلماسي أحدَ خاصةِ الخاصة من أصحابِ سيدنا الشيخ رضي الله تعالى عنه، كان مِنْ مُمَيِّزَاتِهِ أنَّهُ يَبْقَى مُدَّةً لا يتحدَّثُ ولا يُحَاوِرُ أحدًا إلا بالقرآنِ الكريمِ،
وجاءَهُ مرَّةً أحدُ الفقهاءِ سائلًا عَنْ دليلِ منْعِ الزيارَةِ ومَغْزَاهَا في القرآنِ الكريم، فأجابَهُ على الفَوْرِ قائلَا: قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وفي هذا القدْرِ من الجوابِ كفايةٌ، والسلامُ عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته