21‏/3‏/20264 دقيقة قراءةFR

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين، وبعد فقد سألنِي أحدُ إخوانِنَا الأحمديينَ سؤالًا مفادُهُ أنهُ ولظروفٍ قاسيةٍ عاشهَا في الفترةِ الأخيرةِ لجَأَ إلى شرْبِ الخمْرِ أكثرَ مِنْ خمسِ مراتٍ، لكنَّهُ ظلَّ معَ ذلك محافظًا على صلواتِهِ وأورادِهِ، ولم يُخْرِجْهَا عن أوقاتِهَا ولوْ مرَّةً واحدةً، وأنه حصَلَ له ندمٌ كبيرٌ على وُقُوعِهِ في هذا الذنبِ، واتصَلَ بمُقَدَّمِهِ الذي لقنهُ الوِردَ سابقا، وحكى له ما وقَعَ له بالتدقيقِ، فنهَرَهُ المقدمُ ووبخَهُ وقال له: أنتَ تحتاجُ إلى التجديدِ، ولَنْ أُجَدِّدَ لك، وطلبَ مني هذا الأخُ أَنْ أُجِيبَهُ وبتفصيلٍ عمَّا يجِبُ عليه فعلُهُ في حالتِهِ هذِهِ:

Skiredj Library of Tijani Studies

قلتُ: اعلمْ أنَّ تقوى اللهِ تعالى مِنْ أهمِّ شروطِ طريقتنا الأحمدية، وقد تحدَّثَ سيدُنا الشيخُ كثيرًا عن ضرورَةِ التزامِ المريدِ بالأحكامِ الشرعية، والاحترازِ منَ الوقوعِ في المخالفَاتِ والمعاصي والآثامِ، تماشيًا مَعَ قولهِ تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، ورسائلُهُ رضي اللهُ تعالى عنه سواءً في كتابِ جواهرِ المعاني أوْ في الجامعِ كلُّهَا تسِيرُ في هذا الاتجاهِ، فالذي ينبَغِي في حقِّ المريدِ أَنْ يكونَ ممتثلًا لأمرِ اللهِ تعالى، فارًا بنفسِهِ وعِرْضِهِ مِنْ كافةِ الموبقاتِ والكبائرِ كيفَ ما كانَتْ، وشُرْبُ الخمرِ كما تعْلَمُ من عِدَادِ الكبائر، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،

وقد كتَبَ اللهُ تعالى عليك أيُّهَا المريدُ ولظروفٍ قاسيةٍ كما ذكرْتَ، وشرِبْتَ الخمرَ مراتٍ، وذكَرْتَ أنكَ ما فَرَّطْتَ حينَهَا في شيءٍ مِنْ صلواتِكَ وأورادِكَ، وأنَّ هذه الظرُوفَ استمرَّتْ مدةَ أسبوعٍ كاملٍ، وأنهُ حصلَ لكَ الندمُ على ما فَرَطَ منْكَ، وأَجْهَشْتَ بالبكاءِ، واتصلْتَ بمُقدمِكَ الذي لقَّنَكَ الوردَ، ووبخَكَ ولامكَ، وهُوَ بطبيعَةِ الحالِ أحقُّ بتوبيخِكَ ولوْمِكَ، وذكرْتَ أنهُ قال لَكَ بأنكَ تحتاجُ في هذه الحالةِ إلى التجديدِ، وأنهُ لَنْ يُجَدِّدَ لَكَ

قلتُ: أنتَ أيها المريدُ لا تحتاجُ إلى التجديدِ، بل تحتاجُ إلى التوبَةِ لا غيْرَ، فتُبْ إلى اللهِ تعالى وعُدْ إليه، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، وإلى حالتِكَ أيها الأخُ يُشِيرُ صاحبُ نظمِ منيةِ المريد بقوله: [ وَمَنْ عَلَيْهِ كَتَبَ المَجِيدُ * فَلَيْسَ لازِمًا لَهُ التَّجْدِيدُ ] بمعنى أنه منْ سَبَقَ وكُتِبَ عليه ذنبٌ سواءً كان مِنَ الكبائرِ أو غيرِهَا فليس لازمًا عليه التجديدُ بل اللازمُ في حقِّهِ التوبةُ، قال بخاري الطريقة سيدي محمدٌ العربيُ بنُ السائح لدى شرحِهِ لهذا البيت مِنَ المنيةِ: فَالأَصْلُ فِيهِ مَا ثَبَتَ مُتَوَاتِراً عَنْ الشَّيْخِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْمُرُ بِالتَّجْدِيدِ مِنَ الوُقُوعِ فِي شَيْءٍ مِنَ المُخَالَفَاتِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْمُرُ مَنْ بَلَغَهُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ شَكَا إِلَيْهِ شَيْئاً صَدَرَ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ بِشُرُوطِهَا، وَتَرْكِ الإِصْرَارِ، وَعَدَمِ الأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرَ.

فتجديدُ الإذنِ في الطريقةِ يا أَخِي لا يكونُ إلا بمخالفَةِ شرْطٍ مِنْ شروطِهَا الثلاثِ المعروفةِ، ولهذَا يقولُ العلامةُ السلطانُ الأسبقُ المولى عبدُ الحفيظ العلوي في نظمِهِ المُسَمَّى بالجامعةِ العرفانية:

وَلَيْسَ إِتْيَانُ المَعَاصِي يَسْحَبُ * إِذْنًا لَنَا فِي الوِرْدِ بَلْ ذَا يَصْحَبُ

وَإِنَّمَا يَهْرَعُ مَنْ تَلَبَّسَا * بِدَنَسٍ لِتَوْبَةٍ إِذْ قَدْ أَسَا

بمَعْنَى أنَّ المعاصِي سواءً كانتْ مِنَ الكبائرِ أو غيرِهَا لا تَسْحَبُكَ الإذنَ، أَيْ لا تُخْرِجُكَ عنِ الطريقةِ، وإنَّمَا يتوَجَّبُ عليك آنذاكَ أَنْ تهْرَعَ إلى اللهِ بطلبِ التوبةِ والاستغفارِ مِنْ ذنبِكَ الذي اقترَفْتَهُ

وقال في بغيةِ المستفيدِ: هَذَا وَمَنْ قُدِّرَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ فِي الأَزَلِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الوُقُوعِ وَالنُّزُولِ إِلَّا المُبَادَرَةُ لِلتَّوْبَةِ وَالإِقْبَالُ عَلَى صَالِحِ العَمَلِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ التَّلْقِينِ لِلْوِرْدِ، وَلَا إِعَادَةُ التَّقَيُّدِ بِالعَهْدِ.

وإذا لَمْ تستَطِعْ التوبةَ فحاوِلِ المرَّةَ تِلْوَ المرةِ إلى أَنْ تستَطِيعَهَا، فليسَتِ المشكلةُ أَنْ تقَعَ في الذنبِ ولكِنَ المشكلةَ أن يقَعَ منكَ الإصرارُ على الذنبِ، فنَحْنُ بشَرٌ، ولوِ افترَضْنَا أنه وَقَعَ منكَ الإصرارُ فعليكَ أن تتُوبَ إلى اللهِ تعالى من هذا الإصرَارِ، بحيْثُ تتوبُ إلى اللهِ كلَّمَا صدَرَ منك هذا الذنبُ أوْ تلكَ الكبيرةُ، ولَوْ مراتٍ في اليومِ الواحدِ، ففِي الحَدِيثِ: مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً، وَلَا تُؤْمَرُ بتاتًا بِتَجْدِيدِ التَّقَيُّدِ بِعَهْدِ الطريقةِ، لِأَنَّه لَا تَنْفَسِخُ عُقْدَةُ عَهْدِهَا بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ كَمَا قَدْ توَهَّمَهُ هذا المقدمُ الفاضلُ

وعَنْ هذِهِ الحالةِ بالضبْطِ يقولُ مولانا الشيخُ أبو العباسِ التجاني رضي الله عنه كمَا جاءَ في كتابِ جواهرِ المعاني: مَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ كَانَ مِثْلَ مَنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ ذَنْبٌ أَصْلاً، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، إلى أَنْ قال رضي اللهُ عنه: وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الرَّجَّاعِينَ إِلَيْهِ الَّذِينَ لَا مَلْجَأَ لَهُمْ غَيْرَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ مَهْمَا أَذْنَبَ تَابَ مِنْ حِينِهِ إِلَى رَبِّهِ كَانَ مَحْبُوباً عِنْدَ رَبِّهِ.

وحصَلَ مرةً أنَّ بعْضَ إخوانِنَا بزاويتِنَا التجانية بحيِّ اليوسفية بمدينةِ الرباط شاهدوا أخًا مِنَ الإخوانِ الشبابِ الأحمديينَ في حالَةِ سُكْرٍ، فاستنكَرُوا حَالَتَهُ، ولمَّا جاؤوا إلى الزاويةِ ذكَرُوا هذا الخبَرَ للمقدَّمِ الفقيهِ سيدي الحاجْ لحسنْ الفطواكي الدمناتي مقدِّمِ الزاويةِ، فأحسَّ منهُمْ باسْتِنْقَاصِهِمْ لذلكَ الأخِ بسبَبِ ما رأَوْهُ مِنْ فعلِهِ، فقالَ لهُمْ: لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ. إشارةً للحديثِ الصحيحِ الذي أخرجه الحافظُ البخاريُ في صحيحِهِ في كتابِ الحدود

وفي هذا القدرِ مِنَ الجوابِ كفايةٌ والسلامُ عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته