Skiredj Library of Tijani Studies
وبعد: فهذا كتاب العَبْرَةِ بِطُولِ العِبْرَةِ، للعلامة العارف بالله سيدي أحمدَ بنِ الحاجِّ العياشي سكيرِجَ، الخزرجي الأنصاري نسبًا، التجاني طريقةً ومشربًا
تَكَلَّمَ المُؤَلِّفُ فِي هَذَا الكِتَابِ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ يَتَأَمَّلُهَا وَيُوَبِّخُهَا عَمَّا فَعَلَتْ بِهِ مُنْذُ نَشْأَتِهَا الأُولَى فِي عَالَمِ الأَمْرِ إِلَى ظُهُورِهَا فِي عَالَمِ الخَلْقِ، وَمُرُورِهَا فِي أَطْوَارِهَا مِنْ صِبَا وَطُفُولَةٍ وَشَبَابٍ وَشَيْخُوخَةٍ إِلَى مَمَاتِهَا. وَهُوَ كِتَابٌ يَنْحَى مجَالَ الفَلْسَفَةِ الصُّوفِيَةِ، يَتَّضِحُ مِنْ خِلَالِهِ مَا خَفِيَ عَنِ النَّاسِ مِنْ مَقَامَاتِ الرُّوحِ وَالفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّفْسِ وَتَطَوُّرِهَا وَارْتِقَائِهَا وَانْتِقَالِهَا مِنْ مَقَامٍ إِلَى مَقَامٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَوَائِدِ قَلِيلَةِ النَّظِيرِ. طُبِعَ الكِتَابُ أَوَّلاً بِمَطْبَعَةِ العَرَبِ بِالقَاهِرَةِ فِي قَالَبٍ صَغِيرٍ فِي 32 صَفْحَةٍ.
وَالمَعْرُوفُ عَنِ المُؤَلِّفِ العَلَّامَةِ سُكَيْرِجٍ اعْتِيَادُهُ عَلَى الكِتَابَةِ بِطَرِيقِ السَّجْعِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ، بَيْدَ أَنَّنَا لَا نَرَى وُجُوداً لِهَذَا السَّجْعِ فِي كِتَابِنَا الحَالِي، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ يَعُودُ بِالأَسَاسِ لِمَضْمُونِ الكِتَابِ، وَالهَدَفِ المُتَوَخَّى مِنْهُ، مَعَ رَغْبَةٍ مُلِحَّةٍ مِنْهُ لِإِيصَالِ كَلِمَتِهِ بِأُسْلُوبٍ طَبِيعِيٍّ بَسِيطٍ.
وَأَذْكُرُ أَنَّنِي دَخَلْتُ مَرَّةً عَلَى الفَقِيهِ المُقَدَّمِ سَيِّدِي الحَاجِّ لَحْسَن الفَطْوَاكِي الدَّمْنَاتِي مُقَدَّمِ الزَّاوِيَةِ التِّجَانِيَةِ بِحَيِّ اليُوسُفِيَّةِ بِمَدِينَةِ الرِّبَاطِ، فَوَجَدْتُ هَذَا الكِتَابَ [العَبْرَةَ بِطُولِ العِبْرَةِ] بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَاذَا اسْتَنْتَجْتَهُ مِنْ قِرَاءَتِكَ لِهَذَا الكِتَابِ؟ فَأَجَابَنِي قَائِلاً: مَا أَحْوَجَنَا أَنْ نَعْمَلَ الكَيْفِيَّةَ ذَاتَهَا الَّتِي عَمِلَهَا العَلَّامَةُ سُكَيْرِجُ، قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ: قَالَ: نُحَاسِبُ أَنْفُسَنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ بِقُوَّةٍ فِي الدَّارِ الأُخْرَى.
وَقَدْ قَفْتُ عَلَى نُسْخَةٍ مِنْ هَذَا الكِتَابِ [العَبْرَةِ بِطُولِ العِبْرَةِ] وَكَانَتْ مِنْ قَبْلُ فِي حَوْزَةِ السُّلْطَانِ الأَسْبَقِ المَوْلَى عَبْدِ الحَفِيظِ، وَكَتَبَ عَلَى هَامِشِ هَذَا المَحَلِّ مِنْهَا مُخَاطِباً لِلْمُؤَلِّفِ العَلَّامَةِ سُكَيْرِجَ: وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي لَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى هَذَا الكِتَابِ وَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا بِهِ مُطَابِقٌ لِي صُورَةً وَمَعْنىً، كَأَنَّمَا قَرَأْتَ فِنْجَانِي، وَكَشَفْتَ حَالِي وَعُنْوَانِي، فَأَنَا المَعْلُولُ حَقًّا، وَهَذِهِ عِلَّتِي.
هَذِهِ عِلَّتِي وَأَنْتَ طَبِيبِي * لَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ فِي القَلْبِ دَاءُ
وَلَا أَنْسَى أَنَّ الفَقِيهَ المُقَدَّمَ سَيِّدِي الحَاجَّ لَحْسَن الفَطْوَاكِي الدَّمْنَاتِي مُقَدَّمَ الزَّاوِيَةِ التِّجَانِيَةِ بِحَيِّ اليُوسُفِيَّةِ بِمَدِينَةِ الرِّبَاطِ كَتَبَ عَلَى هَامِشِ غِلَافِ نُسْخَتِهِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ [العَبْرَةِ بِطُولِ العِبْرَةِ] رَحِمَ اللَّهُ أَخَانَا العَلَّامَةَ سُكَيْرِجَ، فَقَدْ كَانَ وَاللَّهِ حَافِظاً ضَابِطاً وَرِعاً، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَنْ كُلِّ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى سُمُوِّ قَدْرِهِ، وَرِفْعَةِ شَأْنِهِ، وَطُولِ بَاعِهِ فِي العِلْمِ وَالفَضْلِ وَالمَعْرِفَةِ، وَقَدْ عَرَفْنَاهُ تَقِيّاً نَقِيّاً، طَاهِراً نَظِيفاً، وَمَا هَذَا وَذَاكَ إِلَّا تِبَاعاً لِقَوْلِهِمْ: حَسَنَاتُ الأَبْرَارِ سَيِّآتُ المُقَرَّبِينَ.
وفي هذا القدر من التعريف بهذا الكتاب كفاية والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته