21‏/3‏/20266 دقيقة قراءةFR

جواهر المعاني بالعربية: لماذا يُعَدّ هذا الكتاب المرجعَ التأسيسي للطريقة التيجانية

Skiredj Library of Tijani Studies

من بين المراجع الكبرى للطريقة التيجانية يحتلّ كتاب جواهر المعاني مكانةً محورية. فهو ليس مجرد كتابٍ كلاسيكي محترم. بل هو، لدى كثير من السالكين والطلاب والباحثين، المصدرُ العربيُّ الأول لفهم تعاليم الطريقة التيجانية وأسانيدها وبناءها الروحي. وبسبب هذه المكانة، تغدو جودة النص ذات أهمية بالغة. فالحصول على طبعةٍ موثوقة ليس ترفًا، بل ضرورة.

ومن هنا بالضبط طُرح السؤال: ما الذي يميّز طبعتنا المحقَّقة من جواهر المعاني عن سائر النسخ المطبوعة المنشورة في بيروت ومصر وغيرهما؟

والجواب واضح. فقد أُعدّت طبعتنا على أساس مقابلةٍ واسعةٍ وجادّةٍ للمخطوطات. ولم تُصنع اعتمادًا على نسخةٍ واحدة، ولا على إعادة طباعةٍ عابرةٍ لنصٍّ متداولٍ من قبل. بل أُثبتت من خلال دراسة أربعةَ عشر شاهدًا مخطوطًا، من بينها نسختان بخط المؤلف نفسه، العارف بالله سيدي الحاج علي حرازم برادة الفاسي. وإلى جانب هاتين، وُجدت نسخٌ أخرى متصلة ببعض أشهر علماء الطريقة التيجانية وأكثرهم تدقيقًا.

لماذا يُعَدّ جواهر المعاني المرجعَ الأول للطريقة التيجانية

إنّ الكتابَ المؤسِّس ينبغي أن يفعل أكثر من حفظ الكلمات؛ ينبغي أن ينقلها على وجه الدقة. وفي شأن جواهر المعاني تزداد هذه الحاجة إلحاحًا، لأن هذا المصنَّف يتبوّأ منزلةً عالية في علم التيجانيين وعملهم. فلا يصح أن يُتعامل مع نصٍّ يُرجع إليه في فهم العقيدة والآداب والتوجيه الروحي وأقوال الشيخ باستهانة.

ولهذا السبب، فإنّ أيَّ تقديمٍ جادٍّ لكتاب جواهر المعاني لا بد أن يبدأ بسؤال سلامة النص. فليست كل الطبعات المطبوعة سواءً. وليست كل النسخ تعكس الدرجة نفسها من العناية. وليست كل عمليات الاستنساخ تحفظ ألفاظ الأصل بالقدر نفسه من الوفاء.

طبعةٌ محقَّقة مبنية على أربع عشرة مخطوطة

لقد اعتمد عملُنا النقدي على جواهر المعاني على أربع عشرة نسخة مختلفة. وهذا وحده يميّزها عن كثير من الطبعات المطبوعة التي تقوم على شواهد أقل، أو تعيد إنتاج أخطاء موروثة دون مراجعة كافية.

والأهم من ذلك أنّ من بين هذه النسخ الأربع عشرة مخطوطتين بخط سيدي الحاج علي حرازم نفسه، مؤلف الكتاب. وهذا يمنح الطبعة درجةً من الحجية لا يجوز إغفالها.

وفوق ذلك، رجعنا إلى نسخٍ منسوبة إلى بعض أشهر علماء التقليد التيجاني وأكثرهم ضبطًا، ممن عُرفوا بالدقة وعمق الفهم وحسن ضبط النص.

القيمة الكبرى لنسختي سيدي أحمد سكردج وسيدي محمد اللحجوجي

ومن أهم الشواهد التي استُعملت في عملية التحقيق نسختا عالمين جليلين:

سيدي أحمد بن الحاج العيّاشي سكردج، القاضي والعالم الشهير في عصره، وسيدي محمد اللحجوجي، الحافظ والعالم المعروف.

لم تكونا نسختين عاديتين. فقد صحّح كلا العالمين كثيرًا من الأخطاء الإملائية الموجودة في مخطوطات أقدم. كما حافظا على الصيغة الصحيحة لكثير من الأعلام من أسماء الأشخاص والمواضع والمصطلحات الفنية. وفوق ذلك، تضمّ نسختاهما علاماتٍ واضحة على المراجعة والتهذيب والمقابلة الدقيقة.

ولهذا، تقوم هاتان النسختان، بلا منازع حقيقي، مقام نصّين راسخين متكاملين. ويكاد الباحث الجادّ في جواهر المعاني لا يستغني عن الاعتماد عليهما واتباعهما.

ما الذي يجعل هذه الطبعة أدقَّ من الطبعات المطبوعة السابقة

لأنها تستند إلى أقوى الشواهد المخطوطة، ولأنها أُعدّت عبر عملية تحقيق متأنية، فإن طبعتنا المطبوعة من أدقّ الطبعات وأثبتها المتاحة اليوم.

وتكمن قوتها في أمرين معًا. أولهما أنها في الغالب خالية من أنواع الأخطاء النصية التي تصيب كثيرًا من الطبعات الأخرى. وثانيهما أنها مرتكزة على أصحّ الأصول المخطوطة المتقدمة الذكر.

أما الطبعات المطبوعة السابقة، سواء في بيروت أو مصر أو غيرهما، فليست بمنأى عن التحريف والزيادات وأخطاء النسخ. وأخطاءُ نصٍّ مرجعيٍّ ليست قطّ أمرًا هيّنًا؛ إذ تؤثر في قراءة النص نفسه. وقد تغيّر المعنى، وتُلبس الأسماء، وتُضعف الدقة، وتُضلّ القارئ.

كيف غيّرت أخطاء النساخ كثيرًا من الطبعات المطبوعة

إن جزءًا كبيرًا من المشكلة راجعٌ إلى تفاوت جودة النساخ والناقلين. فليس كل الكتّاب على مستوى واحد من المعرفة والانتباه والخبرة.

فمنهم من هو قليل التجربة، محدود الفهم، ضعيف في النقل.XXXXX

غيرُهم مهرةٌ، مقتدرون، شديدو التيقّظ.

وعند فحص تقليد المخطوطات لكتاب «جواهر المعاني»، يمكن للمرء أن يلحظ كثيرًا من المشكلات النسخية المألوفة. فأحيانًا يُبدِّل الناسخُ حرفًا بآخر يشبهه في الرسم ويخالفه في النقط. وأحيانًا يترك فراغاتٍ حيث لا يفهم كلمةً ما، قاصدًا أن يعود لاحقًا فيُتمّها، وأحيانًا لا يعود أبدًا. وأحيانًا يسقط حرفًا أو كلمة. وأحيانًا يُسقط سطرًا كاملًا حين تنزلق العين إلى السطر التالي. وفي أحيانٍ أخرى يقع في التكرار، فينسخ الكلمة نفسها أو السطر نفسه مرتين.

وهذا يُذكِّر بالملاحظة المشهورة للجاحظ في «كتاب الحيوان»: إنّ الكتاب الذي يتداولُه كثيرٌ من الأيدي ويُنْسَخُ أكثرَ من مرة قد يصير كتابًا آخرَ برمّته.

مثالُ سيدي أحمد سكِّيرِج ناسخًا مُتقنًا ومُثبِتًا

إنّ الفروق بين النُّسّاخ حقٌّ ثابت. فمنهم من يفتقر إلى العمق والخبرة، غير أنّ آخرين يبلغون مستوى لافتًا من الكفاءة.

وسيدي أحمد سكِّيرِج مثالٌ بارزٌ على هذه الفئة الثانية. فبحسب ما شاهدتُه بنفسي، فقد نسخ بخطّ يده أكثرَ من خمسين كتابًا من المراجع الكبرى لطريقتنا المحمدية التيجانية. وحتى في كِبَر سنّه، كان يملك القدرة على اكتشاف خطأ طباعيٍّ مستترٍ بين مئات الأسطر.

وهذا النوع من اليقظة له شأنٌ عظيم حين يكون المرءُ بصدد كتابٍ مرجعيٍّ تأسيسي. فشيءٌ هو أن يُعاد طبعُ نصٍّ ما، وشيءٌ آخرُ أن يُفهَم، وتُقارَن شواهده، ويُعرَف موضعُ ما اعتراه من إفسادٍ في اللفظ بسبب الإهمال.

كم خطأً تشتمل عليه الطبعات السابقة؟

إنّ الطبعات السابقة المطبوعة في بيروت ومصر وغيرهما لا تخلو من الخطأ. وعلى وجه العموم، فإنّ تلك الأخطاء لا تُفسِد النصّ دائمًا إفسادًا كارثيًّا، لكنها تظلّ ذات قدرٍ من الأهمية يكفي لأن يُعتدّ به.

وبناءً على معرفةٍ دقيقة بتلك الطبعات، فإنها تشتمل في المتوسط على ما بين ثلاثة وأربعة أخطاء في الصفحة الواحدة. وفي بعض الصفحات يرتفع عددُ الأخطاء إلى ما يزيد على ثمانية.

وقد يبدو هذا لِقارئٍ عابرٍ أمرًا يسيرًا. أما لطالبٍ جادّ، أو مُعلّم، أو باحث، فليس بالأمر اليسير البتّة. فإذا قُرئَ العملُ للتربية الروحية، ونُقِلَ للتعليم، واستُعمِلَ مرجعًا نصّيًا، فإنّ الأخطاء الصغيرة تتراكم حتى تصير مشكلةً جسيمة.

لماذا ينبغي للمريد الجاد أن يقرأ نسخةً سليمةً تامّة

الأولى بالمريد الصادق أن يعتمد، في القراءة والسلوك الروحي، على نسخةٍ سليمةٍ تامّة، مزوّدةٍ بوسائل الضبط والصواب والاتزان.

وهذا على التحديد ما ترمي هذه الطبعة المُحقَّقة إلى توفيره.

ولا يُقال هذا من باب الزهو أو الترويج للنفس؛ وإنما يُقال من باب الأمانة العلمية والنصيحة الصادقة لإخواننا وأخواتنا التيجانيين. فإذا كان الكتاب بهذه الأهمية، فإنّ الصدق يقتضي أن يُقال بوضوح أيُّ طبعةٍ أُعِدّت بأقصى ما يمكن من العناية.

طبعةٌ مُجرَّبةٌ وكثيرةُ الطلب

إنّ حسنَ استقبال هذه الطبعة المُحقَّقة يؤكّد نفعَها. وبسبب تكرّر الطلب، أُعيد طبعُها أربع مرات خلال السنوات الخمس الماضية. كما وُزِّع جزءٌ كبيرٌ من تلك النسخ خارج المغرب أيضًا، ولا سيما في البلدان الإفريقية، وفي جنوب شرق آسيا، وفي أوروبا.

ومرةً أخرى، لا يُذكَر هذا على جهة المفاخرة؛ وإنما يُذكَر في إطار الأمانة الفكرية، نصحًا لمن يريد طبعةً عربيةً يُعوَّل عليها من «جواهر المعاني».

«جواهر المعاني» بالعربية: كتابٌ يستحق الأمانة النصيّة

إذا قُدِّم «جواهر المعاني» بوصفه المرجعَ الأول لطريقة التيجانيين، فإنه يستحق أن يُقرأ في صيغةٍ تعكس تلك المنزلة. ولا ينبغي أن يُتناوَل كتابٌ تأسيسيٌّ من خلال نصٍّ مُوهَنٍ مع توافر نصٍّ أقوى.

وإنّ طبعةً مُحقَّقةً تقوم على أربع عشرة مخطوطة، تشمل شواهدَ مؤلِّفية ونسخًا متقنة لكبار علماء التيجانية مثل سيدي أحمد سكِّيرِج وسيدي محمد لحجوجي، تُتيح للقارئ أرضًا أشدَّ رسوخًا. فهي تُقلِّل من فساد النسخ. وتُعيد الأسماء والمصطلحات على وجهها الصحيح. وتتجنب كثيرًا من التحريفات الموجودة في الطبعات المطبوعة السابقة. وتخدم البحثَ العلمي والقراءةَ الروحية على نحوٍ أوفى أمانةً.

وللقارئ الصادق لـ«جواهر المعاني» بالعربية، فإنّ الدقةَ النصية جزءٌ من الأدب. ولمثل كتابٍ بهذه المنزلة، فإنّ ذلك الأدب لجديرٌ به.

واللهُ هو المُوفِّق.

++++