21‏/3‏/20264 دقيقة قراءةFR

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

Skiredj Library of Tijani Studies

وبعد: فهذا خمسَةُ تآليفَ للعلامةِ العارفِ بالله سيدي أحمدَ بنِ الحاجِّ العياشي سكيرِجَ، الخزرجي الأنصاري نسبًا، التجاني طريقةً ومشربًا، كُلُّهَا ذاتُ صلةٍ بنَظْمِ البردَةِ للعلامة الشيخِ سيدي محمدٍ بْنِ سعيدٍ البوصيري

هذا العمَلُ يدخُلُ في نطاقِ الإهتمامِ الكبيرِ الذي أوْلَاهُ العلامةُ سيدي أحمدُ سكيرجُ بقصيدَةِ البردَةِ، حيْثُ تعامَلَ معَهَا بمخْتَلِفِ الأشكالِ، مِنْ تخميسٍ وترصيعٍ وتشطيرٍ وتحويلٍ لتفْعِيلَتِهَا مِنْ عروضٍ إلى أخرى، أوْ منْ قافيةٍ إلى أخرى.

فَفِي الكتابِ الأوَّلِ الذي سمَّاهُ بـ شِفَاءِ العَلِيلِ، بِتَحْوِيلِ البُرْدَةِ مِنْ بَحْرِ البَسِيطِ إِلَى بَحْرِ الطَّوِيلِ، قامَ بتحويلِهَا كما يظْهَرُ مِنَ العنْوَانِ منْ بحرِهَا البسيطِ إلى بحْرِ الطويلِ، فافْتَتَحَهَا بقولِهِ:

أَمِنْ ذِكْرِ جِيرَانٍ أَقَامُوا بِذِي سَلَمْ = مَزَجْتَ دُمُوعَ العَيْنِ مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمْ

أَمِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ جَرَتْ = وَأَوْمَضَ بَرْقٌ فِي الدَّيَاجِي مِنْ إِضَمْ

وحسَبَ علْمِي المتواضِعِ لَمْ يحْصُلْ فِي السابقِ أَيُّ تحويلٍ لهذِهِ القصيدةِ منْ بحرِهَا البسيطِ إلى الطويلِ، فهِيَ سابقَةٌ فريدَةٌ تُذْكَرُ للناظِمِ رحمه اللهُ ورضي عنه، وقدْ تَفَنَّنَ في ذِكْرِ صفاتِ ومحاسِنِ وخِلَالِ وأخلاقِ نبيِّنَا الكريمِ صلى الله عليه وسلم، فسَبَحَ بِنَا في بحرِهَا الطامي، وسِحْرِ جمَالِهَا المتَرَامِي، فتَقَاذَفَتْنَا أمواجُها العميقَهْ، ما بين شريعَةٍ وطريقةٍ وحقيقهْ، فاكتَشَفْنَا كثيرًا منْ دُرَرِهَا الزاهيةْ، ومعالمِهَا الآمرِةِ والناهيةْ، وجالَ نظرُنَا في دَرَارِيهَا الزاهرةْ، وأسرارِهَا الباهرةْ، فجزَاهُ اللهُ تعالى خيرًا على هذا العملِ الجليلْ، فهُوَ بِحَقٍّ شفاءٌ وأَيُّ شفاءٍ للعليلْ.

وفي الكتابِ الثاني المُسمى بـ العُدَّة، مِنْ إِنْشَاءِ هَمْزِيَّةٍ مِنَ البُرْدَةِ، قامَ كمَا يظْهَرُ مِنْ خلالِ العنوانِ بتحويلِ البردَةِ من بحرِهَا البسيطِ إلى بحْرِ الخفيفِ، ومِنْ قافيتِهَا الميمِيَّةِ إلى قافيَةِ الهمزيَّةِ، فافْتَتَحَهَا بقولِهِ

أَمِنَ الذِّكْرَى قَدْ عَرَاكَ بُكَاءُ = مَازَجَتْهُ مِنْ مُقْلَتَيْكَ دِمَاءُ

أَمْ نَسِيمُ الصَّبَا أَهَاجَك لَمَّا = فَاحَ طِيبًا وَضَاءَتِ الظَّلْمَاءُ

وقدْ أبدَعَ الناظمُ العلامةُ سكيرِجُ أَيَّمَا إبداعٍ في استِعْرَاضِ بعضٍ مِنْ آياتِ نبيِّنَا الكريمِ صلى الله عليه وسلم، بالإضافَةِ لِمَا لَهُ مِنْ حقائقَ ومقاماتٍ ومزايَا لا حَصْرَ لها، فطَافَ بنا مِنْ خِلَالِ هذا النظمِ الشريفِ في عالَمٍ منْ خصالِهِ الحميدةِ صلى الله عليه وسلم، مِنْ رجاحَةِ عقْلِهِ، وصدْقِ فِرَاسَتِهِ، وثبَاتِهِ في الشدائدِ، وصبْرِهِ على البأسَاءِ والضراءِ، وما إلى ذلك مِنْ صفاتٍ كثيرَةٍ أخرى.

وفي الكتابِ الثالثِ المُسمى بالوَرْدَةْ، في تخميسِ البردة، عمَدَ كما يظْهَرُ منْ خلالِ العنوانِ إلى تخميسِ هذه القصيدَةِ المباركةِ، فافتَتَحَهَا بقولِهِ:

مَا بَالُ عَيْنِكَ طُولَ الدَّهْرِ لَمْ تَنَمِ = كَأَنَّهَا اكْتَحَلَتْ بِمِرْوَدِ الأَلَمِ

قُلْ لِي بِمَاذَا تُحِسُّ غَيْرَ مُحْتَشِمِ = أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ

مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِن مُقْلَةٍ بِدَمِ

فجعَلَ القارِئَ يعِيشُ معَهُ مِنْ خلالِ هذَا النظمِ في عالمٍ فريدٍ منْ نوْعِهِ، حيثُ شدَّهُ إلى صفاتِ وأخلاقِ سيِّدِ الخلائقِ صلى الله عليه وسلم، وفضائلِهِ ومحاسنِهِ، تلكَ الأخلاقُ التي سمَتْ سُمُوًّا لَا يُدَانِيهَا فِيهِ أيُّ سُمُوِّ آخرُ، كانَ أَيًّا كانَ، فكانَ صاحبُهَا بحَقٍّ إنسانًا بكُلِّ ما تحمِلُهُ هذه الكلمَةُ من معْنَى، وكيفَ لَا وهُوَ المنارَةُ التي يَهْتَدِي بهَا السائرونَ في ظلمَاتِ الجهلِ.

وفي الكتَابِ الرابِعِ المُسَمَّى بـ تَفْرِيجِ الشِّدَّةِ فِي تَشْطِيرِ البُرْدَةِ، وهُوَ تشطِيرٌ لهذِهِ القصيدةِ كما يَبْدُو جليًا مِنْ خلالِ عنوَانِهِ، ومطلَعِهِ:

أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيَرانٍ بِذِي سَلَمِ = أَوْقَدْتَ فِي قَلْبِكَ الأَشْوَاقَ فِي ضَرَمِ

فَصِرْتَ مَشْغُولَ فِكْرٍ فِي هَوَاكَ وَقَدْ = مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

وفي الكتَابِ الخامسِ المُسمى بـ التَّرْصِيع، فِي تَضْمِينِ البُرْدَةِ عَلَى نَوْعٍ بَدِيعٍ مِنْ عِلْمِ البَدِيعِ، حيثُ أفرَدَ العلامةُ سكيرجُ هذا النظْمَ بكَمٍّ هائلٍ مِنَ المُحَسِّنَاتِ البديعِيَةِ على اختلافِ أنواعِهَا، سواءً معْنَوِيَّةً كانتْ أو لفْظِيّةً، فأَمْلَأَ النظْمَ المذكورَ بروائِعَ مِنَ التوْرِيَّةِ والمقابلةِ والمشاكلَةِ وحُسْنِ التعليلِ والإِيهامِ والطِّبَاقِ، وما إلى ذلك مِنَ المُحَسِّنَاتِ الكثيرَةِ. وافتَتَحَ هذا النظمَ المُسمى بالترصِيعِ بقولِهِ:

صَاحِ مَاذَا أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيَرانٍ= بِذِي سَلَمٍ أَطَلْتَ بُكَاءَ

فَلِمَاذَا مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ = مُقْلَةٍ بِدَمٍ يَزِيُدكَ دَاءَ

فبَرَعَ بواسِطَةِ هذِهِ الأدواتِ في إِضْفَاءِ لمسَةٍ فنِّيَّةٍ باهرةٍ على قصيدةِ البردةِ، وذلك بتَعْدَادِ مناقِبِ وخصالِ نبيِّنَا الكريمِ صلى الله عليه وسلم، وذِكْرِ محاسنِهِ وصفاتِهِ الحميدةِ، وأَعْطَى بُعْدًا أخَرَ أكْثَرَ روْعَةً للمُقَدِّمَةِ الغَزْلِيَّةِ التي استَفْتَحَ بهَا الإمامُ البوصيْرِي قصيدَتَهُ، مُتَشَوِّفًا بينَ أبياتِهَا إلى رُؤْيَةِ الحبيبِ المحبوبِ صلى الله عليه وسلم، وزيارَةِ بقعتِهِ الطاهرَةِ، مَعَ وصفٍ دقيقٍ لِمَا يُعَانِيهِ في حُبِّهِ المذكورِ مِنْ سقَمٍ ووُجْدٍ وهُيَامٍ وغيرِهْ.