21‏/3‏/202613 دقيقة قراءةFR

لآلئ الحكمة عند علماء التجانية (3)

Skiredj Library of Tijani Studies

النصيحة، والشكر، والصبر، ومحبّة النبي، والانضباط الباطن في طريق التجانية

إنّ التقليد العلميّ التجاني لا يقتصر على حفظ العقائد والأوراد المأثورة. بل يحفظ كذلك النصح: إرشاداتٍ عمليّة للمريدين، ولمحاتٍ روحيّة في الشكر والصلاة، وتوجيهًا في الصبر، وأخلاق الأسرة، وتعظيمَ النبيّ، وآدابَ الطريق الباطنة.

وفي هذا الجزء الثالث من «لآلئ الحكمة عند علماء التجانية»، استُمدّت التعاليم الآتية من كلمات كبار أئمة التجانية، ولا سيّما سيدي أحمد سكيرج. والمقصود هنا أن يُحافَظ قدر الإمكان على المعاني الأصلية مع تقديمها في إنجليزيةٍ واضحة سهلة القراءة. وترد كلُّ لؤلؤة تحت عنوانها الفرعي لتيسير التأمّل والدراسة.

نصيحة موجّهة إلى التجانيّين

يقول سيدي أحمد بن العياشي سكيرج إنّ أكثر ما يُشدّد عليه للمريد هو المحافظة على أوراده، والإكثار من تلاوة «صلاة الفاتح»

كلّما وجد فراغًا، في السفر أو في الحضر. ويقول إنّها لا ينبغي أن تُستبدَل بشيءٍ آخر، إلا بتلاوة القرآن بتؤدةٍ وتدبّر. وهذه، كما يقول، كافيةٌ لخير الدارين.

ثمّ ينصح المريد ألّا ينشغل بسائر أنواع الذكر المشهورة بما فيها من أسرارٍ خارقة وخواصّ سامية. فوالله، يقول، إنّ الأوراد الراتبة للطريق أنفع للمريد حتى من تلاوة الاسم الأعظم، لأنّ تلاوتها خالصةٌ من المقاصد الدخيلة.

ويُروى أيضًا عن الشيخ أحمد التجاني أنّ الحدّ الأدنى لمن حفظ القرآن الكريم هو حزبان في اليوم. ولذلك يُوصَف التجانيّون بأنّهم من أشدّ الناس عنايةً بقراءة حزبين من القرآن يوميًّا. ويُقال إنّ باب زاوية التجانية بفاس مفتوحٌ لمن شاء أن يشهد هذه الحقيقة بعد صلاة الظهر، بل وأكثر من ذلك بعد صلاة الفجر، حيث يُرى قرّاء الحزب قريبًا من محرابها، يقرؤون جهرًا بسَمْتٍ كريم ووقارٍ جميل.

وفي إجازة سيدي محمد البشير لابنه سيدي محمود أيضًا نكتةٌ عمليّة من الأدب: أنّ مَن أُجيز لا ينبغي أن يضع يده مباشرةً في يد امرأةٍ ليست مَحرَمًا له عند التلقين. بل يُلقّنها بواسطة أحد محارمها، ولو لم يكن ذلك المحرم من أهل طريق التجانية.

ويُنصح العلماء كذلك جميعَ التجانيّين، بل وجميعَ المسلمين، بطلب العلم والعمل به. فالثواب يتشكّل بالنيّة، والنيّة نفسها تولد من العلم. فمثلًا، إذا قرأ الإنسان التهليل وهو ينوي أنّه أيضًا من القرآن، نال ثوابَ الذكر وثوابًا متّصلًا ببُعدِه القرآني. أمّا من غير مثل هذه النيّة المبنيّة على العلم فلا ينال إلا الفضل العامّ للذكر. وكثيرٌ من الأعمال، كما يقولون، يرتفع فوق أصل فضله ارتفاعًا بعيدًا بالنيّة.

وأخيرًا يقول سكيرج إنّ من علامات مَن انقطع باطنًا عن الشيخ أنّه يتكلّم عن علوم الشيخ، أو يذكر الشيخ، أمام مَن لا يعرفه أو مَن لا يحبّه.

عظمةُ الله الذي يحبّ أن يُسأل

يقول قولٌ مشهور ينقله العلماء: إنّ الله يغضب إذا تركتَ سؤاله، بينما يغضب بنو آدم إذا سُئلوا.

ثم يستشهدون بالحديث الذي فيه أنّ عبدًا يذنب فيقول: «ربّ اغفر لي»، فيقول الله إنّ عبده علم أنّ له ربًّا يغفر الذنوب ويؤاخذ بها. ثم يذنب العبد ثانيةً ويستغفر ثانيةً، فيُعاد الجواب الإلهيّ نفسه، حتى يقول الله: «قد غفرتُ لعبدي فليعمل ما شاء»، أي ما دام يرجع في التوبة.

ويذكرون أيضًا أنّ العبد الصالح إذا دعا قد يقول جبريل: «يا ربّ، عبدك فلان اقضِ حاجته»، فيجيب الله: «دعوا عبدي، فإنّي أحبّ أن أسمع صوته».

وجاء في روايةٍ أخرى أنّه ليس شيءٌ أحبّ إلى الله من أن يُسأل العافية. ويشرح العلماء أنّ الدعاء نفسَه من الأسباب التي تُدفَع بها البلايا المقدَّرة. فكما أنّ الترس سببٌ للوقاية من السلاح، وكما أنّ الماء سببٌ لخروج النبات من الأرض، كذلك الدعاء سببٌ لدفع البلاء ونزول الرحمة.

غير أنّهم يضيفون تصحيحًا لطيفًا: أنّ التوجّه إلى الله بالذكر ينبغي في نهاية المطاف أن يكون ابتغاءَ مرضاته، لا لغرضٍ دنيويّ، ولا حتى لأمرٍ أخرويّ.

علامةُ الراسخ في العلم

يقول سيدي عليّ الخوّاص إنّ من علامات الراسخ في العلم أنّه يزداد تثبّتًا إذا نُزِعت عنه الحلاوة الروحيّة.

وذلك لأنّ مثل هذا الرجل يكون مع الله على وفق ما يحبّه الله، لا مع نفسه وهواه على وفق ما تحبّه النفس. فمَن يجد لذّةً في الحضور الروحيّ ثم يضيع إذا سُحبت منه تلك اللذّة، فهو ما يزال مع نفسه في الغيبة والحضور معًا.

وهذا معيارٌ موجزٌ لكنه نافذ: فالعَارف الحقّ لا يُقاس بالحلاوة وحدها، بل بالثبات حين تزول الحلاوة.

التهيّؤ لحضرات القرب

يقول العلماء إنّ العبد يتهيّأ للحضرات الإلهية بوجوهٍ مختلفة بحسب نمط التجلّي. ففي الجلال يتهيّأ بالصبر. وفي الجمال يتهيّأ بالشكر. وفي الكمال يتهيّأ بالسكينة.

ويشرح سيدي العربي بن السائح أنّ عارفَ الله لا يخاف على نفسه في حال القبض، لأنّ القبض من الجلال، والجلالُ أمان. وإنما يخاف على نفسه في حال البسط، لأنّ البسط من الجمال، والجمال ليس دائمًا مأمونًا. ومثل ذلك حال المريد مع شيخه: لا يخاف على نفسه في أوقات القبض، لكنه يخاف على نفسه في أوقات البسط، لأنّه إن أَلِفَ أُنسًا زائدًا على ما يليق بالمقام كان ذلك البسط مضرًّا به على قدر سوء الأدب. وقد لا يسمح به مقامُ الشيخ نفسُه وإن كان الشيخ يتجاوز عنه بشخصه، لأنّ للمقام غيرةً شديدة.

ثم يورد سكيرج تحذيرًا لافتًا: إياك، يا صديقَ المحبّة، أن تسلك أيَّ طريقةٍ يُقصَد بها تحصيل لقاءٍ يقظةً بالنبيّ، صلّى الله عليه وسلّم. فإنّ أوعية الناس في هذا الزمان، كما يقول، تتشقّق من أدنى تماسٍّ بما يُطلَب في مثل هذا اللقاء في عالم الحسّ. فإن أردت السلامة لنفسك فليَكفِك أن تُكثِر من «صلاة الفاتح». والحمد لله على الحجاب، كما يقول، فإنّ الفتح عسيرٌ وإن كان في باطنه راحةٌ عظيمة. وينقل معنى قول الشيخ الكبير: الفتوح كلّها وجوهٌ من الراحة، وهي مع ذلك وجهٌ من الابتلاء، فلا تفرح سريعًا إذا أقبلت.

ويضيف أنّ من لطائف الله بنا على وجه التحديد أنّنا لا نشهد الطلعةَ النبويّةَ الشريفة يقظةً عند تلاوة «جوهرة الكمال».XXXXX

معنى الحمد والصلاة على النبي

يُستشهد بتبادلٍ مشهورٍ بين السَّريّ السَّقطي وخاله(؟) — بل وابن أخته — الجنيد. فلما سُئل الجنيد: ما الشكر؟ أجاب: ألّا تعصيَ اللهَ بنِعَمِه. فقال السَّريّ: أخشى أن لا يكون حظُّك من الله إلا لسانَك. ثم يزيد العلماء، تواضعًا، أنهم يرجون أن لا يؤاخذهم الله على قلّة كمال الإخلاص.

ثم يبسطون تأمّلًا أوسع في الشكر. فقد تفضّل الله على الإنسان بصونِه وحفظِه، وباختصاصِه بسابق الفضل والإحسان. فأيُّ عملٍ استحقّ به العبدُ هذه النعمة حين قُسِّمت المقادير، في وقتٍ لم يكن موجودًا بعدُ، ولم يأتِ فعلًا، ولم تكن له دعوى؟ إنما هو محضُ الجود والمنة والفضل واللطف.

ولو أن الإنسان تنبّه حقًّا لعِظَم هذه النعمة، لامتلأ فرحًا بالله، واستولى عليه حبُّ المُعطي الكريم، وقهره السرورُ بمن خلق وهدى، وأعطى ووهب، واصطفى من الأزل، ولا يزال يفعل ذلك.

ثم يقول العلماء إن الناس كلَّهم غارقون في بحرٍ من النِّعَم، ولكن أكثرهم لا يشكر. فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، وأحبّ أن يجعله من خاصته، عرّفه بالنعم القارّة عليه وألهمه شكرَها. فهذه المعرفة نفسها هي الامتياز. فكلُّ أحدٍ مُنعَمٌ عليه، ولكن الخواصّ هم الذين يشهدون النعمة.

ولهذا سمّوا الشكرَ من أعظم أبواب الله، وأقومَ طرقه. والشيطانُ قاعدٌ على هذا الطريق ليصرف المؤمنين عنه. وفي هذا العصر خاصةً — يقولون — إن باب الشكر من أقرب الأبواب إلى الله، لأن النفوس قد غلظت. فكثيرٌ من الناس لم يعودوا يتحرّكون بالرياضة الروحية، ولا بالطاعة، ولا بالمحاسبة، ولا بالموعظة. ولكنهم إذا استغرقوا في الفرح بواهب النِّعَم، حُمِلوا عبورًا على وجهٍ آخر.

ويُنبّهون إلى أن الوعود الإلهية في القرآن تُعلّق غالبًا على المشيئة، إلا الشكر. قال الله تعالى: «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»، بعبارةٍ مؤكَّدة. ويذكرون أيضًا أن الله قدّم الشكر على الإيمان في قوله: «مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ؟» ومن ذلك يستنبطون أن الإيمان نفسه مرتبطٌ بالفرح بالواهب، وأن شكر القلب لا ينفصل عن الإيمان الحقيقي.

ويتابعون: إذا تحقّق للمرء أن جميع النِّعَم من الله، لزم عن ذلك محبةُ الله ضرورةً، لأن القلوب مفطورةٌ على محبة من يُحسن إليها. فإذا استقرّت المحبة، نُظِر إلى أفعال المحبوب نظرًا آخرَ بالكلية.

قام النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة حتى تورّمت قدماه الشريفتان. فلما قيل له إن الله قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»

ويذكرون أيضًا أن البلايا نفسها تُخفي في طيّاتها نِعَمًا. وقد قال عمر رضي الله عنه: ما نزلت بي مصيبةٌ إلا رأيتُ لله عليّ فيها ثلاث نِعَم: أولها أنها لم تكن في ديني، وثانيها أنها لم تكن أعظم مما كانت، وثالثها أن الله وعد عليها الثواب.

وينقلون عدةَ حكمٍ في هذا المعنى، منها أن شُكرَنا نفسه نعمةٌ من الله، فلو شكرناه على الشكر لاحتجنا إلى شكرٍ آخر، وهكذا إلى غير نهاية.

ومن هنا ينتقلون إلى حمدِ النبي. فكما أن الله علم أن الخلق لا يستطيعون أداء حقّ حمدِه على تمامه، حمدَ نفسَه في الأزل بقوله «الحمد لله». وكذلك صلّى اللهُ تعالى على نبيه في الأزل. فمن قرأ صلاةَ الفاتح، فكأنه يسأل الله أن يصلّي على نبيه بتلك الصلاة الأزلية. ويوضح العلماء أن المقصود ليس مجرد اللفظ، بل المعنى: وهو أن العبد يقرّ بعجزه عن أداء حقّ هذا النبي الكريم إلا بما يمنحه اللهُ تعالى نفسه.

ومع ذلك يضيفون أن لصلاة الفاتح خاصيّةً مخصوصةً متصلةً بهذا المعنى. فإذا استحضر المأذونُ بها هذا المعنى في قلبه، واعتقد أنها خرجت من الحضرة الغيبية، نال — إن شاء الله — الثواب المتعلّق بها.

ثم يذكرون أبا الليث السمرقندي، وأنه قال: إن أردتَ أن تعلم أن الصلاة على النبي أفضل من سائر العبادات، فانظر إلى الآية التي يذكر اللهُ فيها أولًا أنه هو وملائكتَه يصلّون على النبي، ثم يأمر المؤمنين بعد ذلك بمثل ذلك.

ويُستشهد أيضًا بحديثٍ في صحيح مسلم: «من صلّى عليّ صلاةً واحدةً صلّى اللهُ عليه بها عشرًا». ويشرح العلماء أن الإنسان لو أفنى عمره كله في أنواع العبادة، لكانت صلاةٌ واحدةٌ من الله على ذلك العبد أرجحَ من ذلك كله، لأن صلاة العبد على قدر العبودية، وصلاةَ الله على قدر الربوبية. وهذا إنما هو لصلاةٍ إلهيةٍ واحدة، بينما الحديث يعد بعشر.

رتبة سورة الفاتحة

يعرض العلماء مذهبًا عظيمًا في رتبة الفاتحة. يقولون: إن تلاوةً واحدةً للفـاتحة في رتبتها الظاهرة تشتمل على ثواب كل تسبيحٍ وذكرٍ ذُكر اللهُ به من ابتداء الحقيقة المحمدية إلى اللحظة التي ينطق فيها القارئ بالفاتحة. فكل ذكرٍ في جميع العوالم في تلك المدة يُعطى ثوابه لمن قرأ الفاتحة مرةً واحدة.

ويستثنون استثناءً واحدًا: أن ثواب الاسم الأعظم لا يدخل تحت الفاتحة إلا إذا قرأ القارئ الفاتحة قاصدًا بها الاسم الأعظم. ففي ذلك

الحال يدخل ثواب الاسم الأعظم — كما قُرئ في الوجود كله — تحتها كذلك.

ويقولون أيضًا: إن الفاتحة في رتبتها الظاهرة تحمل ثواب ختمةٍ قرآنيةٍ كاملة، وأن عدد حروفها مع حروف القرآن يُثمر لقارئها، عن كل حرفٍ، سبعَ حورٍ عينٍ من الجنة وسبعةَ قصورٍ، وهكذا يتجدد ذلك على الدوام مع كل تلاوة.

وخارج الصلاة فهذا الثواب عظيمٌ أصلًا. وأما في الصلاة فيتضاعف زيادةً: فيكون ضعفين إذا صلّى قاعدًا، وأربع مرات إذا صلّى قائمًا، وذلك للمنفرد. وفي الجماعة يتضاعف أكثر من ذلك. ثم يذكرون توسعاتٍ عدديةً كبيرةً جدًّا لوصف هذا الثواب عبر دورة الصلوات المفروضة في اليوم والليلة.

ويروون أيضًا قولًا: إن من قرأ الفاتحة مرةً في السنة لم يُكتب في تلك السنة في عداد المُثقلين بالذنب. ثم يعيدون أن هذا كله إنما هو في قراءة الفاتحة دون نيةٍ مخصوصةٍ للاسم الأعظم. وأما قراءة الفاتحة بنية الاسم الأعظم، ففضلُها لا يعلمه إلا الله، ولا ينبغي أن يُستغرب ذلك مع كرم أكرم الأكرمين.

وجاء في روايةٍ أخرى أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنه كان يخشى العذابَ على أمة النبي، فلما نزلت الفاتحة اطمأنّ إلى أن الله لن يعذّبهم، لأن للنار سبعة أبواب، وللفاتحة سبع آيات، فتصير كل آيةٍ منها كالغشاء على واحدٍ من تلك الأبواب.

ثم يضيف العلماء تنبيهًا مهمًّا: أن العمل لأجل الثواب حسنٌ محمودٌ إذا كان على جهة الإجابة لما دعا اللهُ به عبدَه من التنزيه المطلق إلى الثواب الموعود. ففي هذه الحالة لا يكون ملاحظة الثواب الموعود باعثًا أنانيًّا بالمعنى المذموم؛ بل تصير هي نفسها عبادةً أخرى. إنما المذموم هو التعلّق المتمحّض للذات بأغراض النفس الدنيئة.

دعوة إلى التزيّن بالصبر

وردت حكمةٌ تقول إن ثمانيةَ أحوالٍ تتردّد على الإنسان على الدوام، ولا بد لكل أحدٍ من لقائها: الفرح والحزن، الوصل والفراق، الشدة والرخاء، المرض والصحة.

ثم يقدّم سكيرج نصحًا مؤثرًا في الفقر. يقول إن مرارة الفقر أمرّ من كل مرارة. فإذا ابتُليتَ به ولو مرةً، فابتلع ما يهوّن تلك المرارة بالصبر. ولا تَضطرب لعدم استقرار أحوالك إذا داهمك. وقابل قسوةَ الناس وبرودَهم وتغيّرَ سلوكهم — ممن كنت تعرف ودَّهم في أيام السعة — بحسن الخلق. ولا تلمْهم على ما ترى، لأن الفقير يُنظَر إليه بعينٍ ليست هي العين التي يُنظَر بها إلى الغني، ولو كان الفقيرُ أعلمَ أهل زمانه، وكان الغنيُّ أجهلَ الناس. فهذا — يقول — شأنُ كثيرٍ من النفوس كما جُبلت.

ولهذا ينصح المرءَ أن يكسوَ نفسه الجمال، وأن يعتني بلباسه عنايةَ تمامِ النظافة، وأن يرفع همّتَه فوق الاعتماد على القريب والبعيد سواءً،

وأن يُظهر الاستغناء عنهم ولو بات جائعًا وظلّ نهاره غيرَ مُطعَم.XXXXX

وبهذه الطريقة سيحترمه الناس ويهابونه.

ويقول إنه لا ينبغي للمرء أن يشكو حاله إلى أحدٍ إلا إلى الله الذي يرى جميع الأحوال، وألا ييأس قطّ من أن يرفع الله عنه ما أثقله وأحزنه.

كما ينصح بالرفق مع الأهل على قدر مستوى فهمهم. أعطِهم وعودًا مُبشِّرة فيما يتطلعون إليه ويفرحون به. فكثيرًا ما يرضون بوعدٍ لبعض الوقت. وأدخل عليهم السرور بما تستطيع من وسائل قليلة، فإنك بذلك تغيظ المنافقين. وإذا استقام أهل بيتك على الخير فلن تضيق بحال المال قلَّ أو كثر.

ويحذِّر من إظهار القلق والاضطراب في مثل هذه الأحوال. فإن أظهرتَ الجزع فلن تملك المال الذي يسكِّن الشوق، ولا الكرامة التي تُذلُّ أعداءك والحاسدين لك.

ويختم بالدعاء أن يقي الله القارئ هذه المرارة، وأن يُغنيه به عن سواه.

كونُ الوالدين بَرَرَةً بأولادهم، وكونُ الأولاد بَرَرَةً بوالديهم

يقول سكيرج إن أباه كان يشرح الحديث: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه» بأن مثل هؤلاء العباد يدخل فيهم الوالدان: فإذا أقسما على الله فيما يتعلّق بأولادهما أجابهُما.

ويضيف أن سنة الله في خلقه أن من برَّ بوالديه بُورك له بمن يبرّه، وأن دعاءه عند الشدة يُستجاب أيًّا كانت حاله.

ولكن كما يجب على الأولاد أن يبرّوا الوالدين، يجب على الوالدين أيضًا أن يحسنوا إلى أولادهم، ولا سيما في هذا الزمان. فعلى الوالدين أن يعفوا عن أولادهم وأن يسألوا الله لهم الهداية ما استطاعوا، فإن الأولاد هم أزهار بستان حياة والديهم. فإذا أُهمِل ذلك البستان ذبلت الأزهار وتساقطت بتلاتها.

وكان أبوه يُشبِّه الأولاد بنبتةٍ تُرعى بالمحبة في بستانٍ عزيز. فكيف يعمد أحدٌ إلى رعاية مثل تلك النبتة متشوقًا إلى أن يراها تزهر زهرًا جميلًا، ثم يقتلعها بعد ذلك ويلقي بها؟ وإذا ندم بعد حينٍ وأراد أن يردها إلى جمالها الأول، أفيمكن أن تعود أبدًا كما كانت تمامًا بعد أن ذبل زهرها وهلكت أوراقها الرقيقة؟

وكذلك الأولاد: هم أزهار بستان المرء. فلا ينبغي للوالد أن ينقلب قلبه عليهم. وحتى إن اضطرب القلب اضطرابًا لا إراديًا بسبب سلوكهم، فعليه أن يملك نفسه بلجام الصبر، وأن يدعو لهم بالهداية، وأن يمتنع عن مقابلتهم بما يكرهونه.

وكان أبوه يقول أيضًا إن الأولاد إذا أُبقوا تحت رضى صاروا هم أنفسهم أهلَ حالٍ مرضيّ، وأنه لا يصدر عن أولاد رضى إلا الخير. وكان يقول للناس إن الدعاء للأولاد بالهداية خيرٌ من لعنهم في لحظات الضجر، فإن الطفولة ضربٌ من الجنون. وكان يقول أيضًا: أولاد المرء زرعه؛ فلا يهمل زرعه ولا يقتلعْه من أصوله. وكان يقول: ما يفعله الأولاد بآبائهم سيفعلُه بهم أولادُهم في آخر الأمر.

ويسجل سكيرج أيضًا رؤيا من أواخر صفر سنة 1343هـ، رأى فيها نفسه مُحرِمًا للحج بمكة، يلقى أباه وأمَّه، فيقع على أقدامهما، ويقبِّلهما، ويبكي، ويسألهما أن يدعوا الله أن ينجيه من النار، لأنه لا يطيق حرّها. ثم استيقظ.

أهميةُ محبةِ النبي

قال رجلٌ صالح إنه كان له جارٌ يعمل ناسخًا. فلما مات الرجل رُئي في المنام وسُئل عمّا صنع الله به. فقال: غفر الله لي. فقيل: لِمَ؟ فقال: كلما كتبت اسم محمد، صلى الله عليه وسلم، في كتابٍ صلّيت عليه. فأعطاني ربي ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، وما لم يخطر على قلب بشر.

وجاء في خبرٍ آخر ينقله العلماء: من مات على حبّ آل محمد مات شهيدًا.

وتؤكد هذه الأخبار الحقيقة نفسها التي تتردد في التراث التيجاني كله: إن محبة النبي ليست أمرًا ثانويًا. إنها جوهرية، مُحوِّلة، ومُنجية.

تأملٌ ختامي

تُقدِّم هذه اللآلئ روحانيةً عمليةً عميقة. فهي تعلم المريد التيجاني أن يحافظ على الأوراد، وأن يُعظِّم القرآن، وأن يطلب العلم، وأن يصون الأدب، وأن يسأل الله على الدوام، وأن يثبت في الضيق والسعة، وأن يُعمِّق الشكر، وأن يكثر من محبة النبي، وأن يصبر على الشدائد بعزة نفس، وأن يحفظ أواصر الأسرة بالصبر والرحمة.

وتُظهر كذلك أمرًا جوهريًا في المزاج العلمي التيجاني: أن التعبد لا ينفصل قط عن التوازن، وأن المحبة لا تنفصل قط عن الانضباط. إن الطريق لا يتجمل بأذكاره فحسب، بل بالخلق الذي يسعى إلى إيجاده.

++++