21‏/3‏/202614 دقيقة قراءةFR

دررُ حكمةِ علماء التيجانية (5)

Skiredj Library of Tijani Studies

شروطُ الطريق التيجاني، وحضورُ الوظيفة، والهيللةُ يوم الجمعة، والتجديد، والأحكامُ العملية للمريدين

في هذا الجزء الخامس من «درر حكمة علماء التيجانية» نتناول مجموعةً من التعاليم ذات أهميةٍ خاصةٍ للعمل والتطبيق: شروطُ الطريق التيجاني، وانضباطُ الوِرد والوظيفة، وآدابُ الحضور الجماعي، والهيللةُ يوم الجمعة، والأحوالُ التي تستدعي التجديد.

وتُظهر هذه النصوص، المأخوذة بخاصةٍ عن سيدي أحمد سكِيرِج وغيرِه من كبار أئمة التيجانية، أنّ الطريق ليس مجردَ انتساب. بل هو عهدٌ معيش، تحميهُ المراقبةُ والانضباطُ والتعظيمُ والمواظبةُ والوضوحُ في شروطه.

وكما طُلِب، تظهر كلُّ درةٍ بعنوانٍ فرعيٍّ مستقل، ويبقى الإنجليزية قريبًا من المعنى الأصلي، وأستخدمُ كتابة Skiredj.

شروطُ الطريق التيجاني

يقول سيدي أحمد سكِيرِج إنّ الطريق لا ينبغي أن يُعطى لأحدٍ إلا إذا أخذ عهودًا مؤكدة على الوفاء بشروطه المقررة. ويضيف أنّ ثمّة شرطًا كبيرًا واحدًا يجب التشديدُ عليه لكل من أخذ عهدَ هذه الطريق: المحافظةُ على الصلاة في وقتها، وأداؤها بكمال العناية، مع وضوءٍ تامٍّ مُحكَم، وسكينةٍ، وخشوعٍ كامل، وقراءةِ الأوراد بترتيلٍ موزون.

ويأسف لأنّ كثيرًا من الإخوة قد أهملوا هذا الشرط، وأنّ كثيرًا من المقدَّمين غفلوا عنه. ثم يضيف قولًا لافتًا: إنّ تلاوةً واحدةً لصيغة «لا إلهَ إلا الله» بترتيلٍ موزون وتفكّر خيرٌ من ألف تلاوةٍ بغير ترتيلٍ موزون ولا تفكّر. وكذا الشأن في سائر الأذكار.

ويقرر أيضًا أنّ من الشروط الأساسية للطريق الالتزامَ بالورد صباحًا ومساءً، والوظيفةَ مرةً في اليوم أو مرتين في اليوم، والهيللةَ يوم الجمعة بعد صلاة العصر بعددها الخاص للفرد، أو من غير تقييدٍ بعدديّ في قراءةٍ جماعيةٍ تستمر حتى الغروب.

وشرطٌ آخرُ هو المثابرةُ على جميع هذه الشروط إلى الموت، من غير تساهلٍ فيها.

ويشرح كذلك أنّه في الاصطلاح التيجاني لا يُسمّى المرء تيجانيًّا على الوجه الصحيح إذا تلقّى الطريقَ عن شخصٍ يُعطي أيضًا طريقًا آخرَ لا صلة له بها. وكذلك من كان يجمعها أصلًا مع طريقٍ آخرَ لا صلة له بها لا يُعدّ في الاصطلاح تيجانيًّا بالمعنى الدقيق؛ لأن من شروطها ألا تُجمع مع طريقٍ آخرَ ليس متفرعًا عنها. فالمريد لا يكون في هذا المعنى الرسمي تيجانيًّا وشاذليًّا في آنٍ واحد.

ويلاحظ سكِيرِج أنّ بعضَ الشيوخ الذين أُجيزوا في الطريق ظنّوا خطأً أنّهم مُجيزون أيضًا أن يُعطوها مع غيرها من الطرق.XXXXX

ولهذا اعترض سيدي محمد مْحَمَّد كنّون على عبارات من قبيل: «أنا منتسب إلى جميع الطرق»، وفاءً لأصل الطريقة التيجانية. وفي الوقت نفسه يضيف السكّيرج تقييدًا مهمًّا: لا ينبغي التشديد على من فُتِح له فتحٌ روحيٌّ حقًّا؛ فإن مثل هذا يُحمل كلامه على أحسن المحامل، ويُصدَّق فيما بلغه صدقًا وحقّقه.

مَن يترك حضور الوظيفة مع الجماعة

يشرح العلماء أنّ من انقطع عن حضور الوظيفة مع الجماعة نحو أسبوع، أو حتى على وجه الاعتياد، لكنه يقرؤها منفردًا ولا عذرَ له معتبر، فإن ذلك لا يسقط إذنه ولا يوجب تجديده.

غير أنه ترك ما هو أليق به وأفضل له. ومع ذلك، لا يُطلب استغفارٌ رسميٌّ مخصوص لأجل هذه المسألة بعينها. وإنما الذي ينبغي للمريد أن يخافه حقًّا هو ترك مثل هذا الحضور الجماعي في أول طريقه، وهو بعدُ ضعيفُ البصيرة بنفسه. فذلك التركُ في البداية أشدُّ خطرًا من التقصير المتأخر.

أحد شروط الطريق: عدم زيارة غيرهم من الأولياء إلا صحابة النبي وصحابة سيدي أحمد التيجاني

يقرر العلماء أن مدار الطريق كله قائم على المحبة. ولأجل ذلك لا ينبغي للمريد أن يصرف همَّه عن شيخه.

وتُضرَب صورةٌ قوية: فكما أن الجبال لا تُزحزح من أماكنها إلا بالشرك، كذلك قلب الرجل، ولا سيما الولي، لا يُزاح حقيقةً إلا بشركٍ يرتكبه المريدون حين يُشركون معه غيره في المحبة.

ثم تنقل المدونات أبياتًا تعبّر عن هذه الخصوصية في التعلق: إذا شارك غيرُه فيمن أحب، تركتُ الحبَّ كله وبقيتُ وحدي؛ ومحبةُ غيرٍ مع المحبوب محرمة، وهذا معلومٌ عند العشاق.

ويُستشهد بالشعراني أنه هو وآخرين أخذوا عهدًا ألا يمنعوا أحدًا من زيارة أقرانهم أو مشايخ عصرهم، إلا إذا علموا بكشفٍ يقينيّ أن فتح المريد لا يكون إلا على أيديهم. ففي هذه الحال يمنعونه من زيارة غيرهم، لا حبًّا للرئاسة، ولكن اختصارًا للطريق عليه.

ثم يأتي تعليق السكّيرج: لا تنسَ أن مريد الطريقة التيجانية قد فُتِح له فتحًا حاسمًا. ولذلك يُمنع من زيارة أحد من المشايخ غير سيدي أحمد التيجاني.

في هيللة يوم الجمعة

يذكر العلماء أن عادة قراءة هيللة يوم الجمعة عقب الوظيفة مباشرةً بعد عصر الجمعة هي بدعةٌ أحدثها بعض الإخوان في بعض الزوايا على سبيل التيسير والتسهيل.

غير أن عمل الشيخ نفسه هو الأصل الحق، وهو المتَّبع إلى يومنا هذا في زاويته الكبرى المباركة بفاس: فلا تُشرع الهيللة إلا قبل الغروب بنحو ساعة تقريبًا، ليكون ختامها متصلًا اتصالًا مباشرًا بأذان المغرب.

وهذه الفائدة نفيسة لأنها تميّز بين تيسيرٍ طارئ لاحق وبين العمل الحيّ الأصلي للطريقة.

كيفية تلاوة الوِرد

يبدأ الوصف المنقول للوِرد بالاستعاذة بالله، ثم البسملة، ثم قراءة الفاتحة، ثم آيةٍ قرآنية متعلقة بالاستغفار، ثم صيغةٍ خاضعة في إجابة الله: «لبيك يا رب، وسعديك؛ والخير كله بيديك؛ لبيك، عبدُك الضعيف الذليل الفقير قائمٌ بين يديك…»

ثم يقول المريد: أستغفر الله مائة مرة. وفي آخر ذلك القسم يقول: «سبحان ربك رب العزة عما يصفون؛ وسلام على المرسلين؛ والحمد لله رب العالمين».

ثم يبتدئ القسم الثاني ثانيةً بالتعوّذ، والبسملة، والفاتحة، وبالآية: «إن الله وملائكته يصلون على النبي...» ثم يقول صيغة الافتتاح المتواضعة نفسها، مع زيادة نية تعظيم الله ورسوله، ثم يقرأ صلاة الفاتح مائة مرة، ثم يعيد خاتمة الحمد نفسها.

ثم يبتدئ القسم الثالث بالتعوّذ، والبسملة، والفاتحة، وبالآية: «فاذكروني أذكركم...» ثم يقول المقدمة الخاشعة نفسها، ويضيف الآن أنه يذكر الله بصدقٍ من قلبه بما ألهمه الله إياه بفضلٍ سابق ومنّة، ثم يقول: لا إله إلا الله مائة مرة.

وعند تمام المائة يقول: «محمد رسول الله، عليه سلام الله»، ثم يتبع ذلك بآيات الختم نفسها من التسبيح والسلام والحمد. وبعد ذلك يرفع يديه ويدعو بما شاء امتثالًا للأمر الإلهي: «ادعوني أستجب لكم».

ويُظهر هذا الوصف أن الوِرد ليس مقصوده عدًّا جافًّا؛ بل هو مؤطَّر بالقرآن، والتواضع، والنية، والأدب.

ما يُصلح الحضور أو الخشوع

سُئل العلماء عن القراءات الثلاث من جوهرة الكمال التي تُصلح الحضور في الأعمال، وفي الصلوات الخمس، وفي النوافل: هل تُقرأ عقب السلام مباشرة، أم يمكن أن يُتمَّ أولًا أذكارًا أخرى بعد الصلاة؟

فكان الجواب أنها تُقرأ عقب السلام مباشرة. فإن وقع تأخيرٌ يسير فلا بأس. ولكن الأصل هو المبادرة، لأن الحضور تابعٌ للحقيقة الباطنة للصلاة نفسها. وكل ما كان من توابع الصلاة ثم تُرك كان نقصًا، والنقص يُجبر عقب السلام في الحال، أو قبل السلام حيث ينطبق ذلك.

أسئلة وأجوبة في مسائل عملية

هل يجوز قراءة وِرد الصباح قبل الوتر، نحو ساعة بعد العشاء؟

نعم. يبقى وِرد الصباح صحيحًا إذا قُدِّم قبل الوتر. ولا تتوقف صحته على كونه بعد الوتر. وإنما الشرط أن يُقرأ بعد العشاء بمدةٍ تكفي لاستقرار الناس، نحو ساعة تقريبًا بعد الصلاة. وشرح ذلك عالمٌ آخر بأنه قدرُ الزمن الذي يُحتاج إليه لقراءة خمسة أحزابٍ من القرآن.

إذا صلى أحدٌ العصر وقرأ وِرده، ثم أعاد الصلاة مع الجماعة، فهل يجب عليه إعادة الوِرد؟

إن كان حين أعاد الصلاة قد نوى تفويض الأمر إلى الله، وترك الأمر غيرَ متعين في أي الصلاتين هي الفريضة، فإنه يعيد الوِرد، لأنه لم يعد يتيقن بعد أيِّ عصرٍ مفروض قرأه.

أما إن نوى أن الصلاة الثانية هي الفريضة على وجه التعيين، فإن الوِرد الأول يكون قد قُرئ خارج موضعه، ويلزمه إعادته ليكون متصلًا اتصالًا صحيحًا بصلاة العصر الصحيحة.

ماذا يفعل من تأخر عن الوظيفة؟

إذا لحق المتأخر بالجماعة في الوظيفة، فمتى فرغت الجماعة من جوهرة الكمال الثانية عشرة، شرع هو في قضاء ما فاته مما تقدم قبل أن يشتغل بالختم القرآني الأخير. فالآيات الختامية من آخر سورة الصافات من تمام الختم، لكن قضاء الأركان التي فاتته كالاستغفار أهم من صيغة الإتمام، لأن الركن مقدم على ما هو مُلحقٌ تكميلي.

فالأكمل أن يبدأ لنفسه سرًّا بالفاتحة قبل أن يدخل مع الجماعة، ثم يتابعهم. فإذا انتهوا من الجوهرة الأخيرة شرع في قضاء ما فاته. وحتى لو لم يبدأ بالفاتحة قبل الدخول، ثم قضى ما فاته وأتى بالفاتحة قبل ختم الجماعة أو بعده، كفاه ذلك.

إذا فاتت هيللة يوم الجمعةXXXXX

إذا فاتَ أحدٌ هيللةَ يوم الجمعة بالكلية إلى غروب الشمس، فلا يلزمه قضاؤها بعد ذلك. وإنما المقصود أنه قد فاته خيرٌ كثير.

ويضيف العلماء أن حضورَ المجلس خيرٌ للمريد من أن يؤدي الهيللة وحده، بشرط أن يكون المجلس حقًّا مجلسًا من مجالس الطريق.

ومن حضر مع الجماعة من أولها إلى آخرها، أو من وسطها إلى آخرها، أو حتى في آخرها فقط، بحيث دخل معهم ولو في «لا إله إلا الله» واحدة، فذلك كافٍ له.

هل تشترط هيللةُ يوم الجمعة مكانًا يتسع لستة أشخاص كما في الوظيفة؟

لا. فهذا الشرط لا ينسحب على هيللة يوم الجمعة على النحو الذي ينسحب به على الوظيفة.

ففي هيللة يوم الجمعة، طهارةُ المكان من باب التمام والكمال. وأما الوظيفة فلا تصح إلا في موضع طاهر يتسع لستة أشخاص: القارئ، والنبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون الأربعة، إذ إن حضورَهم مُثبتٌ حال تلاوتها.

وأما ذكرُ يوم الجمعة فلا تلزم فيه مثل هذه الشروط. فإذا ضاق الوقت والمريد ليس على وضوء، جاز له أن يؤديه بغير وضوء إن خشي أن يخرج الوقت وهو يتوضأ. ويجوز له أيضًا أن يؤديه راكبًا أو ماشيًا، بل يجوز أن يتكلم أثناءه. غير أن الحالَ الأكمل دائمًا أن يكون على وضوء، في موضع طاهر، مقبلًا بكليته على الذكر، من غير اشتغالٍ يشغله أو يشغل غيره.

إذا ترك مقدَّمٌ أُخذ عنه الذكرُ الطريقَ

إذا تلقّى شخصٌ الوردَ اللازم من مقدَّم، ثم إن ذلك المقدَّم ترك الطريق بعد ذلك، وجب على المريد أن يجدِّد الإذن في الورد اللازم عن طريق مقدَّمٍ آخر.

وأما الصيغ غير اللازمة التي تلقّاها عنه، فيجوز للمريد أن يستمر عليها، إلا ما كان منها مما يتوقف على إذنٍ خاص من الخواص، كحزب البحر، والفاتحة بنية الاسم الأعظم، ونحو ذلك من الصيغ. ففي هذه الحالات يلزم التجديد.

في ذكر يومي الاثنين والجمعة: هل هو مقام؟

جاء الجواب: أن من يقوم بهذا الذكر يلبس في يوم قراءته حُلَّةَ قربٍ خاص، ثم يُجرَّد منها حتى يعود إلى الذكر في يومٍ آخر. وهذا يُحدِث فيه حالًا روحانيًا قد يؤثر حتى فيمن يراه.

غير أن ذلك ليس بعدُ مقامًا بالاصطلاح الفني. فالمقام إنما يكون لأهل الإرث المحمدي الذين يملكون تلك المنزلة على الحقيقة. والمقام يُورث عن أهله. وختمَ العالِم بالدعاء: أن يجعلنا الله وإياكم من أهل هذا المقام، وأن يحققه فينا.

متى يحتاج المريد إلى التجديد؟

صرّح العلماء بذلك غايةَ التصريح: لا يحتاج المريد إلى التجديد إلا في حالتين—إذا ترك الورد، أو إذا زار أحدَ الأولياء من خارج إخوانه.

ثم أضافوا تمييزًا مهمًا: فإن ترك الورد على وجه الرفض الكلي والتجرّد منه، فذلك قطعٌ لا رجعة معه أصلًا. أما إن تركه لمجرد الكسل، فله أن يعود إليه.

الأشياء التي تقطع المريد عن الطريق

ذُكرت ثلاثةُ أمورٍ صراحةً على أنها تقطع المريد عن هذه الطريق:

أولًا: أن يأخذ وردًا آخر على هذا الورد. ففي هذه الحالة لا طريق للعودة إليه.

ثانيًا: زيارةُ الأولياء خارج الحدود المعيَّنة. ففي هذه الحالة يتجرّد المرء من الطريق إلا أن يتوب.

ثالثًا: تركُ الورد.

وهذا المقطع من أصرح ما في المجموع كله. وهو يبيّن أن الطريق عند علماء التجانية لا تُصان بتعاطفٍ مبهم، بل بالوفاء بعهودٍ مخصوصة.

كيفية قراءة الوظيفة

تبدأ قراءةُ الوظيفة بالاستعاذة بالله وقراءة البسملة، ثم تُتلى سورة الفاتحة.

ثم يقول:«أستغفرُ الله العظيمَ، الذي لا إله إلا هو، الحيَّ القيومَ» ثلاثين مرة.

ثم بعد ذلك تُقرأ الصلاةُ على النبي المعروفة بصلاة الفاتح خمسين مرة.

ثم تُتلى التسبيحةُ القرآنيةُ الختامية:«سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».

ثم بعد ذلك يُقرأ «لا إله إلا الله» مائة مرة.وتُختم المائةُ بقول:«محمدٌ رسولُ الله، عليه سلامُ الله».

ثم تأتي الصلاةُ المعروفة بصلاة عين الرحمة اثنتي عشرة مرة.

وأخيرًا تُتلى الآيةُ القرآنية:«إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا».

ثم يقول:«اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وصحبه».

وتُختَم القراءة مرةً أخرى بالتسبيحة القرآنية:«سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».

وتبيّن هذه السلسلةُ المنظَّمة أن الوظيفة تجمع بين التوبة، والصلاة على النبي، وذكر التوحيد، وخاتمة الحمد.

الإجازات في التقليد التجاني

ومن خصائص العارف بالله، القطب سيدي الحاج علي التماسيني، أنه لم يكن يمنح الإجازة لأحدٍ إلا بإذنٍ نبويٍّ كريم.

ولذلك كان يختم إجازاته بالعبارة:«بإذن سيدِنا وسيدِ كل ما خلق الله، سيدِنا محمد، صلى الله عليه وسلم».

وهذا يدل على السلسلة الروحية التي تَصِلُ مثل هذه الأذونات بالنبي نفسه.

الإجازة الممنوحة لأحمد سكيرج

جاء في الإجازة التي منحها سيدي محمود، حفيد سيدي أحمد التجاني، لسيدي أحمد سكيرج، أنه قال:

«أجزتُه في كل ما في جواهر المعاني، ومنحتُه إجازةً تامةً في الأوراد اللازمة وسائر الأذكار، كما أجازني شيخي ووالدي سيدي البشير».

ويُظهر هذا النص كيف كان العلم والسلطة الروحية يُنقلان داخل سلسلة أئمة التجانية.XXXXX

إجازةٌ في تلاوة القرآن، والأدعية، والشفاء الروحي

في إجازةٍ أخرى، أَذِنَ سيدي عبد الوهاب بن الأحمر لسيدي محمد بلقاسم بصري.

وأجازه أن يتلو القرآن، وجميع الأدعية لنفسه ولغيره، وأن يباشر الشفاء الروحي، وأن يرفع العين، وأن يتولّى ما قد يحتاج إليه الإخوان.

كما أجازه في صلاة الفاتح، بمرتبتها الظاهرة والباطنة معًا، بما تشتمل عليه هاتان المرتبتان من أسرارٍ وأنوارٍ وتجلياتٍ روحانية، وفيوضاتٍ إلهية، ومعارجَ روحانية، وتكثيراتٍ لا تُحصى لا يعرفها إلا من حازها.

طريقةٌ لطيفةٌ لتحصيل الحضور أثناء الذكر

ذكر السيد الأمين بلامينو أنّ سيدي العربي بن السائح أجازه بطريقةٍ عجيبة تُستعمل عند قراءة الوِرْد، أو الوظيفة، أو أيّ نوعٍ من الذكر.

وحاصلُ الطريقة: أن يجمع المرءُ جميعَ همّته الروحية على النبيّ أثناء الصلاة عليه. ويُعدّ هذا التركيز نوعًا من تعظيم النبيّ.

ثم يعزم الممارس في باطنه أنّ كلَّ ذرّةٍ من كيانه وكلَّ شعرةٍ من جسده تذكر الله وتسبّحه وتصلّي على النبيّ.

ويعزم كذلك أنّ كلَّ ذرّةٍ من ذرّاته تقابل كلَّ ذرّةٍ في الكون. ففي هذا الجمع التامّ للانتباه، يُكتب في صحيفته عددُ التسبيحات التي تنطق بها ذرّاتُ الكون.

وبهذا يذكر الكونُ كلُّه اللهَ بذكره.

خصائص التيجانيين وعاداتهم

ومما نُقل من عادات سيدي أحمد التيجاني أنه كان يحبّ أن تبقى السبحةُ مربوطةً بالحزام. ولا تُخرج إلا عند استعمالها للذكر.

وكانت سبحتهُ مكوّنةً من مائة حبّة، لا تزيد ولا تنقص.

ملاحظاتُ الشيخ في الغذاء

يُروى أنه كان يكره كراهيةً شديدةً نوعًا محليًّا من اللفت، ويراه مُضرًّا لما فيه من شدّة البرودة ولآثاره السلبية في الحيوية.

وعلى النقيض من ذلك، كان يستحسن نوعًا مخصوصًا من القرع يُعرف محليًّا بـ«السلاوية». وقال إنه يبرّد فرطَ الحرارة من غير أن يضرّ بالبدن، وهو نافعٌ لمن أصابته الحمّى.

ووُصفت طريقةُ إعداده بالتفصيل: يُقشَّر القرع من داخله وخارجه، ثم يُبخَّر بخفة أو يُطبخ في مقدارٍ قليلٍ من الماء. ويمكن أن يُؤخذ عصيره مع شيءٍ يسيرٍ من المسك لمن به حمّى، وبإذن الله يكون فيه شفاءٌ سريع.

ويمكن أيضًا أن يُطبخ بزيت الزيتون، مع قليلٍ من البصل والبقدونس، فإذا غلا قليلًا أُضيف إليه شيءٌ من الكمّون. فإذا أُعدّ على هذا الوجه صار طعامًا طيّبًا يبرّد حرارةَ الجوف.

معرفةُ النفس

يقول العلماء:

«اعرف نفسَك. واعرف مَن أنت، وما أنت، ومن أين جئت، وإلى أين تذهب. واعرف ما المطلوب منك وأنت هنا».

ويبيّن قولٌ آخر أنّ قيمةَ المرء بين الناس لا تُقاس بالثياب التي يلبسها، بل بالخير الذي يعرف كيف يصنعه بين أبناء جنسه.

المقامات التسعة التي تُزيّن المرشدين الروحيين

الخصالُ الروحية التسع المذكورة للمرشدين هي:

الخوف، والرجاء، والشكر، والصبر، والتوبة، والزهد، والتوكل على الله، والرضا، والمحبة.

ونصيبُ العبد من كلّ خصلةٍ منها على قدر معرفته بالله. فليس خوفُ عامة المؤمنين كخوف العارفين بالله، وليس خوفُ العارفين كخوف الأنبياء.

فالمقامات الروحية إذن تختلف بحسب عمق المعرفة بمن يُخاف.

وضُرب لذلك مثلٌ: أنّ خوفَ الرجل العاقل إذا دنا منه سبعٌ ضارٍ أشدّ من خوف الطفل في الحال نفسها.

ومع ذلك، قد يعرض للإنسان أحيانًا في لحظةٍ بعينها مقدارٌ من الخوف يضاهي خوفَ مَن هو أعلى رتبةً منه. وفي مثل هذه الحال يُقال إنه بلغ مقام ذلك الشخص في تلك اللحظة.

وهذا غير مستحيل، لأن وليًّا من الأمة المحمدية قد يرث من الأنبياء بعضَ الخصال الروحية، إذ إن العلماء ورثةُ الأنبياء في العلم ومعرفة الله.

ويُبيّن العلماء أيضًا أنّ المقامات الروحية المعروفة عند الصوفية مكتسَبة، إلا النبوة.

فمن المقامات ما يتوقف على شروط؛ فإذا زال الشرط زال المقام، كالورع. ومنها ما يبقى إلى الموت ثم يزول، كالتوبة. ومنها ما يصحب العبد إلى الدار الآخرة حتى دخول الجنة، كأنواعٍ من الخوف والرجاء. ومنها ما يصحب العبد حتى في الجنة نفسها، كمقام الأنس بالله.

والمقامات التي يرثها أولياءُ الأمة المحمدية عن الأنبياء ليست مطابقةً لمقامات الأنبياء أنفسهم، لكنها أشبه بانعكاساتٍ مماثلةٍ لها.

حين يتحدث السادةُ الروحيون عن أنفسهم

قد يتكلم السادةُ الروحيون أحيانًا عن أحوالهم الروحية.

ويشرح العلماء أن هذا الوصفَ للنفس، إذا وقع بأمرٍ إلهي، فهو من سمات مَن ترسّخ في مقامات الكمال.

وعندئذٍ لا يكون القولُ مدحًا للنفس، بل طاعةً لتوجيهٍ إلهي.

خوفُ العارفين بالله

يقول العلماء إن شيئًا لم يمزّق قلوبَ العارفين بالله مثلَ الخوف من سوء الخاتمة.

نسأل الله أن يعيذنا من قضائه الخفيّ، وأن يسترنا بحفظه.

توقيرُ الكبير

يُقال إن الشاب إذا وقّر الكبير نال بركاتٍ لن ينالها من ينتهك ذلك التوقير.

وقد يبارك الله للموقّر حتى يمدّ له في العمر.

ويعبّر مثلٌ موروث عن هذا المعنى: يليق بمن يكرم الشيوخ ألا يموت قبل أن يبلغ هو نفسه الشيخوخة.XXXXX

ترد مقولة أخرى معروفة تقول:

«ليس منّا من لم يوقّر كبارنا».

تأمّل ختامي

تجعل هذه الدرر أمرًا واحدًا بالغ الوضوح: إن الطريقة التيجانية لا تقوم على مجرّد الدعاوى، ولا على التعلّق العاطفي، ولا على انتسابٍ شرفي. وإنما قوامها صلاةٌ تُؤدَّى على وجهها، وأورادٌ يوميةٌ تُحافَظ عليها بأمانة، وخشوعٌ في التلاوة، ووفاءٌ بالعهد، وصونٌ دقيقٌ للممارسة الموروثة المنقولة.

ومرّةً بعد مرّة يعود هؤلاء العلماء إلى الفكرة نفسها: فالجودة أهمّ من مجرّد الكمّ، والوفاء أَولى من المظهر الخارجي، والثبات أرجح من دفعات الحماسة العابرة.

والمريد التيجاني الحقّ، في هذه النصوص، هو الذي يحافظ على الصلاة، ويلتزم الوِرد، ويعظّم الوظيفة، ويفهم شروط الطريق، ويثبت على العهد إلى الموت.

++++