21‏/3‏/202614 دقيقة قراءةFR

لآلئ الحكمة لدى علماء التيجاني (4)

Skiredj Library of Tijani Studies

عظمةُ البسملة، والاسمُ الأعظم، والصلاةُ على النبي، والعلمُ الشريف، والإخلاصُ في الدعاء، وغيرُ ذلك من التعاليم الروحية

في هذا الجزء الرابع من «لآلئ الحكمة لدى علماء التيجاني»، نواصل جمع تعاليم موجزةٍ عميقة مستخرجة من كبار أئمة التيجانيّة، ولا سيما سيدي أحمد سكيرج. وتتصل هذه المقاطع بعظمة «بسم الله الرحمن الرحيم»، وسرّ الاسم الأعظم، وآداب الذكر، ومنزلة الصلاة على النبي، وغاية العلم الشريف، وحياة البرزخ، والإخلاص الذي يتطلبه الدعاء.

وكما طُلب، تَرِد كل لؤلؤة على هيئة عنوانٍ فرعي مستقل، مع بقاء العبارة على أقرب ما يكون من المعاني الأصلية، مع صوغها في إنجليزيةٍ واضحة.

عظمةُ «بسم الله الرحمن الرحيم»

رُوي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن من كتب «بسم الله الرحمن الرحيم» وكتبها كتابةً حسنة تعظيمًا لله غُفر له.

وفي رواية أخرى: إذا قال العبد «بسم الله الرحمن الرحيم» قالت الملائكة: «لبيك وسعديك. اللهم إن عبدك فلانًا قال بسم الله الرحمن الرحيم؛ فباعدْه عن النار وأدخِلْه الجنة».

ونُقل أيضًا عن الإمام الغزالي أنه قال: من قرأ البسملة اثني عشر ألف مرة، وبعد كل ألفٍ صلى ركعتين وسأل الله حاجته، ثم عاد إلى التلاوة وكرر هذا النسق حتى يُتم العدد، قُضيت حاجته بإذن الله.

وذكرت كتبُ الآثار كذلك فوائدَ أخرى: فقيل إن قراءتها 113 مرة والخطيبُ على المنبر، مع الدعاء مع الخطيب، يعين على نيل المطلوب؛ وإن قراءتها خمسين مرة قبل النوم تجلب الحفظ من الأمور المؤذية؛ وإن قراءتها إحدى وأربعين مرة في أذن مبتلى قد تعين على شفائه؛ وإن كتابتها على باب مكانٍ يُقال إنه يحفظ من فيه من الأذى ما دامت مكتوبة هناك.

اسمُ الله الأعظم

قال سيدي أحمد التيجاني إن سيد الوجود، صلى الله عليه وسلم، أخبره أن الاسم الأعظم محجوب، وأنه لا يُؤذن لأحدٍ في الوصول إليه إلا من أفرده الله بالمحبة.

ويشرح العلماء أن الله قد يُكرم من شاء بمنح العلم بهذا الاسم الشريف بطرقٍ مختلفة: بالوِجدان الروحي، أو بالهداية إلى أحد عارفي الله

المطّلعين عليه، أو بتلقّيه في رؤيا، كما وقع لكثير من العباد المحبوبين الذين ساقهم صدقُ النية إلى مثل هذه العطية.XXXXX

ويُروى أيضًا عن سيدي العبدلاوي أن من علّمه الشيخ شيئًا في المنام فقد أُجيز فيه بإذنٍ خاص.

ويضيف العلماء أن الله منح سورة الفاتحة ميزة لم تُمنح لسائر المقاطع، وهي أن حروف هذا الاسم الأعظم تامّةٌ فيها لمن يعتقد ذلك من غير شكّ ولا تردّد.

ويعلّق سيدي أحمد السكيرج أيضًا بأن المبادئ الرياضية يُمكن بها التمييز بين الصواب والخطأ بأوضح وجه. ويُشير إلى حساباتٍ عظيمةٍ تتعلّق بفضل تلاوةٍ واحدةٍ للفاتحة داخل الصلاة المفروضة المؤدّاة قيامًا في جماعة. وخلاصته بسيطة وعملية: كيف يُمكن للمؤمن المكلّف أن يُقصِّر في المحافظة على صلاة الجماعة لينال ذلك الفضل العظيم؟ وهو يحمد الله على نعمة التصديق التي بها يصير المرء من أهل هذه العطية الخاصة.

أدعية وابتهالات العارفين الصالحين

ومن جميل الأدعية التي نقلها العلماء هذا الدعاء:

«اللهم صلّ على سيدنا محمد، الفاتح لما أُغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حقَّ قدره ومقداره العظيم. اللهم إني أعوذ بك من مَكرك اللطيف. لا إله إلا أنت. سبحانك».

ويُقرأ في دعاءٍ آخر:

«اللهم مُكِّنّي من نفسي تمكينًا تُقدّسني به من كل خُلُقٍ مذموم، واهدِني إليك يا هاديَ من إليه ترجع الأشياء، وأنت بكل شيءٍ مُحيط».

ويقول دعاءٌ آخر:

«اللهم إني أسألك بنور وجهك الذي له خضعت الوجوه، وبنورك الذي إليه تنظر العيون، أن تهديني إلى طريقك الخاص هدايةً تصرف وجهي عن كل مطلوبٍ سواك. وخذ بناصيتي إليك بأخذ العناية، يا ذا الجلال والإكرام».

ويحفظ العلماء أيضًا هذا الابتهال:

«نسأل الله جلّ عظمته أن يكتبنا في ديوان أهل السعادة، الذي لا يُكتب فيه إلا أكابر أوليائه وأهلَ خصوصِ نعمته، كتابةً لا تقبل محوًا ولا تبديلًا؛ وأن يُنوّر بصائرَنا بنوره، النور الذي بثَّه على الأرواح في الأزل؛ وأن ينظر إلينا بعين رحمته، فإن من نظر إليه بتلك النظرة وُقيَ من فِتَن الدنيا والآخرة».

وجاء في دعاءٍ قصيرٍ منقوشٍ على خاتم سيدي محمود:

«يا عالم الخفيات، يا رازق البريات بالهبات، اغفر لنا ذنوبنا».

ويروي السكيرج أيضًا أن أباه، في أثناء الحج، سأل الله عند المقام الشريف أن يُجري شؤونَ الخلق على يديه خدمةً، وأن يرزقه ذريةً صالحة، وأن يجعل فيهم وليًّا مُنعمًا عليه بفضل النَّظرة، ينتفع الله به عبادَه.

ثم يقول العلماء إن رؤية النبي، صلى الله عليه وسلم، هي الكرامة العظمى لمن أنعم الله عليه بها. وهي أعظم نعمةٍ يرجوها العارفون في الدنيا والآخرة، وليس فوقها إلا رؤية وجه الله نفسه.

الفرق بين أسماء التخلّق وأسماء التعلّق

يشرح العلماء أن الأسماء الإلهية تنقسم في الجملة إلى قسمين: أسماءٌ يتخلّق بها المرء خُلُقًا على مقتضاها، وأسماءٌ يتعلّق بها في الدعاء والافتقار دون أن يُحاكي معناها في نفسه.

فالقسم الأول يضم أسماءً مثل: الرحيم، والشفوق، واللطيف، والودود. ومن ذكر هذه الأسماء لزمه أن يتخلّق بشيءٍ من معانيها: رحمةً، وشفقةً، ولطفًا، ومودّةً ورعاية.

وأما القسم الثاني فيضم أسماء الجبروت القاهر أو الفعل الإلهي المختص، مثل: القهّار، والجليل، والخالق، والمحيي، والمميت. فلا يتخلّق العبد بهذه المعاني في نفسه، بل يتعلّق بحقيقتها العليا ليطلب الظفر على أعدائه الباطنين كالنفس والشيطان، أو أعدائه الظاهرين، وليطلب إحياء قلبه وخلق القوة على الطاعة.

الحركة الوجدانية وذكر الله قيامًا

يسأل السكيرج: كيف يُنكر الذكر قيامًا، والله تعالى يقول: «الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم»؟

ويذكر أيضًا حديث عائشة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحواله.

ثم يقول: إذا اقترن القيام في الذكر بحركةٍ أو وجدٍ فلا وجه لإنكاره، لأن مثل ذلك قد ينشأ من لذّات الشهود الروحي والأحوال الباطنة. ويشير إلى أن في بعض الروايات أن جعفر بن أبي طالب تحرّك بين يدي رسول الله لما قال له النبي: «أشبهتني خَلقًا

وخُلُقًا»، وأن النبي لم يُنكر عليه هذه الاستجابة، فكان في ذلك أصلٌ عامّ لحركة الصوفية ووجدهم إذا مسّتهم الحلاوة الروحية.

ثم يورد الأبيات المشهورة المنسوبة إلى أبي مدين معنىً: لا تُنكر على أهل الوجد إن لم تذق خمر المحبة؛ فإذا اضطربت الأرواح شوقًا إلى اللقاء تحرّكت الأجساد؛ وحتى الطائر في القفص يرتجف إذا ذُكر الوطن؛ كذلك أرواح المحبين تهتزّ بالحنين إلى العالم الأعلى.

بعض صيغ الصلاة على النبي من تأليف سيدي أحمد السكيرج

يؤكد العلماء أن الصلاة على النبي بأي لفظٍ صحيح هي طاعةٌ مباشرة للأمر القرآني: «يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا».

وقد ألّف سيدي أحمد السكيرج عددًا من الصيغ الجميلة للصلاة على النبي من غير تكلّف، بحسب ما يَرِد عليه روحانيًّا.

ومنها صلاةٌ معناها:

«اللهم صلّ على أكمل المرسلين، حامل لواء الحمد، ومَصدر كل كمال، وينبوع كل مددٍ ورزقٍ روحاني، وروحِ كل الخلق؛ ولولاه ما جرى لهم سِرّ. اللهم وسلّم على روحه المطهّرة، وعلى آله دائمًا، وعلى جميع المرسلين، وعلى كل مسلمٍ يطيع الله أبدًا».

وأخرى معناها:

«اللهم صلّ على محمدٍ وآل محمد، وسلّم على روحه في الأرواح. وبلّغ مقامه الرفيع أكملَ إكرامٍ محمودٍ على موائد الكرم وكمال السلامة، وعلى آله وعلى جميع أهل الله».

وأخرى معناها:

«اللهم صلّ وسلّم على روح الرسول، مَصدر كل مدد، وكل سرٍّ مقطوعٍ وموصول، وأصل الرحمة ومحل الحكمة، رسول الله الكريم أبدًا، والطريق المؤدي إلى دار السلام. صلّ وسلّم على آله وذريته وأصهاره وكل من أحبه ما دامت مملكة الله».

وأخرى معناها:

«اللهم صلّ على أصل الأرواح ومن يمدّها بالمدد التام الذي يبلغ أهل الصلاح، وعلى السر الذي وهبه الله للمرسلين. ولولاه، السلام على روحه، ما أعطى الله المرسلين ما سألوا، وغيرهم أحرى ألا يستحق. اللهم أدم السلام على روحه، وبلّغه

المقام الموعود، وسلّم على آله الكرام وكل من والَاهم أبدًا».XXXXX

ويقول آخر بمعناه:

«اللهم، لك الحمد كلّه على الكرم الذي أوليتَه أشرفَ المرسلين، محمدًا المحمود، حاملَ لواء الحمد، إمامَ أهل الله. صلِّ على روحِه المطهَّرة، وسلِّم على سرِّه الأطهر، وصلِّ وسلِّم على آلِه الكرام، وارحم جميعَ من يحبّه ويسلك سبيلَه أبدًا، وعلى أولاده وأصهاره وأهل المودّة لهم، وعلى جميع أهل الله ما دامت مملكةُ الله باقية.»

أهمية رؤية النبي، صلى الله عليه وسلم

يقول العلماء إن النبي هو مظهرُ الاسم الإلهي «الهادي»، ويستشهدون بالآية القرآنية: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».

ثم نقلوا خبرًا يوجد في كتب الأدعية والأوراد أن من رأى النبي في المنام بُشِّر بحسن الخاتمة، وبشفاعته، وبالجنة، وبالمغفرة له ولوالديه المسلمين، وبأجر كمن ختم القرآن اثنتي عشرة مرة، وبالتيسير عند سكرات الموت، وبالفرج من عذاب القبر، وبالسلامة من أهوال يوم القيامة، وبقضاء حوائجه الدنيوية والأخروية بلطف الله وكرمه.

ويضيفون أن من أعظم الخصائص المتصلة بذلك وأوثقها أن من رآه في المنام بُشِّر برؤيته في اليقظة.

وإن رآه مبتسمًا، فما أعظمها من بشارةٍ بطاعةٍ لسنته الشريفة ولزومٍ لها قد لازمها المرء في يقظته.

لا ينبغي قصدُ الوليِّ لحاجةٍ دنيويةٍ محضة

العلماء بيِّنون جدًّا في هذا الباب: لا يُقصد الأولياء لمجرد أمور الدنيا. ومن قصدهم لهذا الغرض وحده فهو على خطرٍ شديد، وسعيدٌ إن نجا سالمًا.

وإنما المقصود من الزيارة، كما يشرحون، تعظيمُ الله من جهة تعظيمِ من شرّفهم. وأما من يزورهم لمصالحه الخاصة، وهو يظن أنه يكرمهم، فدعواه باطلةٌ عند كل منصف.

مثالٌ على سلاسل التعلّم المقدّس

يذكر اسكيرج مثالًا من شيوخه، فيذكر شيخَه، الوليَّ الصالح والشريفَ النبيل مولاي عبدَ الله بن إدريس الودغيري، المعروف بالبدراوي الحسني. ويقول إن هذا الشيخ كان من أهل الفتح والصلاح، معروفًا عند أهل الله بالولاية والكشف الصريح.

وقد درس اسكيرج عليه النحوَ والفقهَ والحديث. ثم دوّن بإتقانٍ أسانيدَ في الفقه عبر كبار علماء المغرب، إلى مالك ونافع وابن عمر، ثم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ويسجل كذلك أنه قرأ على هذا الشيخ نفسه «صحيح البخاري» أكثر من مرة من أوله إلى آخره، درسًا وقراءةً سردًا، ويتتبع ذلك الإسناد في سلسلة طويلة إلى الإمام البخاري نفسه.

وليس المقصود من هذه الدرة مجردَ تفصيلٍ تاريخي؛ بل المقصود إظهارُ الجِدّ الذي نُقِل به العلم الصحيح: عبر شيوخٍ أحياء، وتعلُّمٍ منضبط، وأسانيدَ محفوظةٍ بعناية.

أنواعُ المعرفة المختلفة

ورد في أثرٍ منسوبٍ إلى سيدنا عليّ أن العلم أربعةُ أنواع: علمٌ قليلُه وكثيرُه نافع، وهو الفقه؛ وعلمٌ كثيرُه نافع، وهو النحو؛ وعلمٌ قليلُه نافع، وهو علم النجوم؛ وعلمٌ قليلُه وكثيرُه كلاهما غير نافع، وهو السحر.

وينقل اسكيرج أيضًا عن شيخِه العبدلاوي، عن القطب الحاج عليّ التماسيـني، تقسيمًا آخر منسوبًا إلى الشيخ: العلم أربعةُ أنواع. نوعٌ يقسّي القلب، وهو الفقه إذا جمد المرءُ عليه. ونوعٌ يورث الكِبر، وهو النحو وما أشبهه. ونوعٌ يُزهِّد في الدنيا، وهو التاريخ وما يتصل به من العلوم. ونوعٌ ينوّر القلب، وهو الحديث وما يتعلق به. وهذا الأخير، يقول، هو العلم الذي تشتدّ فيه الحاجة إلى السند على وجهٍ خاص، والسندُ من الدين.

ثم يضيف العلماء تنبيهًا أخلاقيًّا: من وُفِّق للتعليم والتصنيف فلا ينبغي له أن ينظر إلى علمه أو عمله بعين الرضا عن النفس والكمال. ومهما بلغ، فعليه أن يبقى متواضعًا وأن يترك الدعاوى لنفسه. ويقول اسكيرج: اطلب العلم لنفسك، وإن تعلّمت كثيرًا فاعُدَّه قليلًا، وقل: «ربِّ زدني علمًا». وعلِّم الناس ليُوضَعوا في ميزانك، لا لكي تُوضَع أنت في موازينهم.

ويحذر أيضًا من دعوى الاستغناء في العلم عن غيره. ومهما بلغ المرء، فبضاعته من العلم تبقى قليلة. والعالمُ المدّعي يكتسب سخطَ النفوس، ويجعل الناس يترصدون زلاته.

ويقتبس عن ابن عباس: العلم أعظمُ من أن يُحاط به، فخذوا من كل فنٍّ أحسنه. ويقتبس عن أبي هريرة: لأن أعلم بابًا واحدًا من العلم في الأمر والنهي أحبُّ إليّ من سبعين غزوةً في سبيل الله.

ويكررون أيضًا القاعدة: من عمل بما علم أورثه الله علمَ ما لم يعلم. وبهذا يرتقي في مقامات العلم التي لا ينالها إلا أهلها.

ويستشهدون بالبيت المشهور: قل للذي يدّعي في العلم إحاطةً — تعلمتَ شيئًا وغابت عنك أشياء.

حياةُ البرزخ

سُئل سيدي العربي بن السائح: هل النفس إذا فارقت الجسد واستقرّت في البرزخ تعود إلى الجسد، أم إن هذا الرجوع خاصٌّ بأهل الخير، وكيف يقع هذا الرجوع إن ثبت؟

فأجاب أن النفس إذا خرجت من الجسد لا تعود إليه على الحقيقة، ولا تبرح البرزخ. وما يثبت من معنى الرجوع إنما هو تعلّقٌ لطيف يمتدّ من النفس إلى الجسد، به تُعطى الجثةُ حياةً. وهذا، قال، إنما يكون لأهل اليقين، كالشهداء ومن يستمرّ لهم التأثير الروحي بعد الموت.

وأما الكفار فلا يعود ذلك التعلّق اللطيف إلى أجسادهم إلا عند سؤال الملكين، ثم يرجع إلى موضعه في البرزخ.

ثم يذكر الحديث: «ما من أحدٍ يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام»، ويقول إن كثيرًا من الكلام في هذه المسألة قد شابه الاضطراب، وإن الدلالة الصحيحة هي ما لخّصه.

وجاء في خبرٍ آخر أن جبريل أخبر النبي أن «لا إله إلا الله» أُنسٌ للمسلم عند الموت، وفي القبر، وعند الخروج من القبر. ويخرج المؤمنون ينفضون التراب عن رؤوسهم، فقومٌ يقولون «لا إله إلا الله» وقد استنارت وجوههم، وآخرون يصيحون ندمًا.

دعاءٌ خاصٌّ مُدرَجٌ في صلاة الفاتح

يذكر العلماء رجلًا صالحًا، هو الحاج الغالي بن المعلّم السيد المختار بن الحاج حمّادي لهلو، كان يُدرج دعاءً في «صلاة الفاتح» بمعنى:

«اللهم، بجاهِ: اللهم صلِّ على سيدنا محمد الفاتح لما أُغلق، افتح لي أبواب الرضا واليسر، وأغلق عني أبواب الشر والعسر. وبجاهِ: والخاتم لما سبق، اختم لي بالفتح الأعظم، بحضرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في أحبّ ساعةٍ إليك. وتوفَّ نفسي بيدك وأنا ساجدٌ لك وأنت راضٍ عني يوم ألقاك، وأنا محوطٌ بتهليل ملائكتك المقرّبين، وأنبيائك ورسلك، وجميع عبادك الصالحين. واجعلني من عبادك المصطفين المحبوبين الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى

جنوبهم في حياتهم وفي قبورهم، يذوقون لذةَ رحمتك وأُنسَ كرمك...»XXXXX

يضيف الخبر أنّ هذا الرجل تُوفّي وهو ساجدٌ يوم الخميس، الحادي والعشرين من رمضان سنة 1341هـ.

الفاتحة بنية الاسم الأعظم لا تُذكَر إلا نهارًا

تُبيّن رسالةٌ من سيدي الحاجّ عبد الوهاب بن الأحمر إلى الفقيه سيدي محمد أكنسوس سببَ عدم قراءة الفاتحة بقصدٍ خاصٍّ معيّن إلا في النهار.

ويقول إنّ الأمر راجعٌ إلى عِظَمِ رتبة الفاتحة وجلالةِ ثوابها. بل إنّ الفاتحة من غير تلك النية الخاصة تحملُ فضائلَ واسعة. فإذا كان هذا شأن الفاتحة في قراءتها المعتادة، فكيف بها إذا قُرئت بتلك النية؟

ويشرح أنّ جميع الأذكار يُضاعَف ثوابُها ليلًا، غير أنّ الفاتحة بهذه النية الخاصة قد قُصرت على النهار لخطورة مقامها. ويذكر أنّ أحدَ الصحابة سأل سيدي أحمد التيجاني هل يمكنه أن يقرَأها مائة مرة. فرفض الشيخ وقال إنّ شأنها عظيمٌ وثوابها جسيم، وإنها لا تُقرأ إلا نهارًا. وأضاف أنّ من قرأها مائة مرة صار محبوبًا عند الله محبةً خاصة. فلما قال الرجل: «إن أحبني الله محبةً خاصة فلا إشكال»، أجابه الشيخ: «مسكينٌ أنت — إذا أحبّ اللهُ أحدًا محبةً خاصة ابتلاه».

وتختم الرسالة بأنّ الشيخ، في أواخر عمره، كفّ عن إعطاء الإذن فيها على وجه العموم؛ لأن الناس سمعوا بفضلها فظنّوا الأمر سهلًا قريبَ المنال، وهو كان يخاف عليهم الفتنةَ والفقر.

الإخلاص في التوجّه إلى الله بالدعاء

يقول مقطعٌ من رسالةٍ لسيدي أكنسوس إنّ من طلب الله حقًّا وجب عليه أن يُخلِصَ في عبادة الله ولا يخلطها بالأغراض الشخصية؛ فإنّ هذا الخلط عند الصادقين يُعدّ ضربًا خفيًّا من الإشراك، والله لا يقبل الشِّرك.

ثم يعلّق على القول: الأعمالُ صورٌ ظاهرة، وأرواحُها سرُّ الإخلاص الكامن فيها.

ويبيّن أنّ الدعاء والذكر والعبادة لا تُغيّر في ذاتها القضاءَ ولا تُبدّل الحكمَ الإلهي. وإنما هي صورٌ من العبودية مرتبطةٌ بالأسباب، كما أنّ الصلاة مرتبطةٌ بوقتها، والاحتراقَ بالنار، والشبعَ بالأكل. واستجابةُ الدعاء كأجر الصلاة: موكولةٌ إلى اختيار الله. إن شاء أجاب الداعي وأثاب العابد، وإن شاء ترك ذلك. لا يُسأل عمّا يفعل.

ومع ذلك فالدعاء نافعٌ في كل حالٍ إذا قُصد به وجهُ الله. لا يضيع عند الله أبدًا. فإما أن يَجلب عينَ المطلوب، وإما أن يُدخل لطفًا خفيًّا في مجرى القضاء الجاري، فيُيسّر الأمرَ على النفس حتى تبردَ حرارةُ الحاجة وتخمدَ لذعةُ الإلحاح — وذلك هو المقصود الحق.

فينبغي للداعي أن يدعو وهو ينوي العبادة، مُظهرًا الفقرَ والضعفَ والعجزَ والتذلّل، مع تفويض الأمر إلى الله، وحسن الظنّ به، وغلبة الرجاء فيما يطلب. ومن أتمّ هذه النية في الدعاء، يقول أكنسوس، فقد فاز بإذن الله.

أهميةُ الرجوع إلى كتب الطريق وكناشات الأسرار المحقَّقة

النقطة الأخيرة موجزةٌ لكنها مهمة. يذكر العلماءُ قولًا مشهودًا مفاده أنّ فضلًا عظيمًا معيّنًا متصلًا بصلاة الفاتح يبقى محجوبًا عمّن لا يعرف قدرَها. فمن صلّاها من غير إدراكٍ لتلك المنزلة لا ينال ذلك الفضلَ العظيم، ولو واظب على قراءتها زمنًا طويلًا جدًّا.

والعبرةُ ليست أنّ القراءةَ المجرّدة لا نفعَ فيها. وإنما هي أنّ للمعرفة شأنًا. فكتبُ الطريق المحقَّقة وكناشاتُ علمائه المُوثَّقة مهمةٌ لأنها لا تحفظ النصوصَ وحدها، بل تحفظ المراتبَ والنياتِ والدقائقَ والإذونَ والمعانيَ التي بدونها تبقى حقائقُ كثيرة مستورة.

تأملٌ ختاميّ

تُظهر هذه الدرر سَعةَ الإرث العلمي التيجاني. فهو لا ينحصر في صِيَغ الذكر، ولا في حماسةٍ تعبديةٍ منفصلةٍ عن المعرفة. إنه يجمع بين الفضائل المأثورة والانضباط الدقيق، وبين التعظيم والحذر، وبين التطلع الروحي والتواضع، وبين كثرة الرجاء والتسليم الصادق.

وفي هذه التعاليم تصير البسملةُ بابًا للرحمة، ويبقى الاسمُ الأعظم سرًّا مصونًا من أسرار المحبة، وتغدو الصلاةُ على النبي طريقًا حيًّا من طرائق الاستنارة، وتغدو المعرفةُ أمانةً لا دعوى، ويغدو الدعاءُ عبوديةً محضةً لا مساومة.

وذلك من معالم الطريقة التيجانية في أحسن أحوالها: ليس مجرد تكثير العبادات، بل تعميق الإخلاص.

+++++