Skiredj Library of Tijani Studies
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف خلق الله، وعلى آله وأصحابه وسلم
وبعد: فقد اعترَضَ بعْضُ المنكرين الذين أعمى اللَّهُ تعالى قلُوبَهُمْ، لِمَا هِيَ عليه من الحسد والبغض والجدال والكبر وغيره، اعترَضَ هذا المنكِرُ على نَسَبِ مولانا الشيخ أبي العباس التجاني رضي الله عنه، وَأَنَّهُ من أبنَاءِ أَحْمَد بْنِ محمد النفس الزكية، وقال هذا البَلِيدُ أَنَّ الإمامَ محمد النفس الزكية لَمْ يكُنْ له وَلَدٌ يحملُ هذا الإِسْمَ، وقال بأن صاحبَ كتاب نسب قريش [ يعني المصْعَبَ بن عبد الله الزبيري ] ذَكَرَ أبنَاءَ الإمَامِ عَنْ آخرِهِمْ ولم يُشِرْ لهَذَا الوَلَدِ [ يعني أحمدًا ]
وغابَ عن هذا المَغْرُورِ أَنَّ مصْعَبَ الزبيري وإِنْ لم يَذْكُرْ هذا الولَدَ فِي كتابه فقَدْ ذكرَهُ غيْرُهُ من كبَارِ النسابين العرب، ولعلَّ مِنْ أبرزِهِمْ صاحبُ كتابِ جمهرَةِ أنسَابِ العَرَبِ، العلامةُ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري المتوفى عام 456هـ، وَتَابَعَهُ فِي ذلك صاحبُ كتَابِ الدُّرِّ السَّنِي، فِي بعْضِ مَنْ بفاسٍ مِنْ أهلِ النسَبِ الحسني، الإمام المحقق النسابة المؤرخ عبد السلام بن الطيب القادري، من أهل القرن الثاني عشر الهجري.
وسَارَ على السَّيْرِ نفسه صاحبُ كتابِ الشَّكْلِ البديع، في النَّسَبِ الرَّفِيع، العلامة عبد الكبير بن هاشم الكتاني، وَنَصَّ كغيرِهِ على أن للإمامِ محمدٍ النفس الزكيَّةِ سَبْعَةَ أولَادٍ، وذكرَهُمْ بأسمَاءِهِمْ، وَهُمْ القاسم، وعبد الله الأَشْتَرُ، وعلي، والحسن، وأحمد، وإبراهيم، والطاهر.
وعلى هذا المَهْيَعِ سَارَ أيضا صاحبُ كتابِ دُرَّةِ التِّيجَانِ، وَلُقْطَةِ اللُّؤْلُؤِ وَالمرْجَانِ، العلامة المؤرخ محمد بن محمد الدِّلَائِي المُتَوَفَّى عام 1141هـ، وكتَابُهُ هذا عبارةٌ عَنْ منظومةٍ في أنسابِ سادَاتِنَا الأشرافِ، قال فيها حوْلَ الإمامِ سيدي محمد النفس الزكية وأولَادِهِ ما يلي:
مُحَمَّدٌ فَرْعُ المَعَالِي قَدْ سَمَا = وَلَدَ سَبْعًا كَالثُّرَيَّا فِي السَّمَا
فَمِنْهُمُ القَاسِمُ فِيمَا ذَكَرُوا = وَعَابِدُ الإِلَهِ وَهْوَ الأَشْتَرُ
وَفِيهِمَا العَقِبُ وَالأَنْسَابُ = وَالبَيْتُ وَالشَّرَفُ وَالأَحْسَابُ
ثُمَّ عَلِيُّ وَالحُسَيْنُ البَاهِرْ = أَحْمَدُ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ الطَّاهِرْ
وَذَاكَ فِي الدُّرِّ السَّنِيِّ مَا ذَكَرْ = وَعَدَّهُمْ سَبْعًا وَفِي ذَاكَ نَظَرْ
وبهَذَا نَكُونُ قد أَلْقَيْنَا الضَّوْءَ على الإشكاليَةِ الأولى التي طرَحَهَا هذا الغَبِيُّ الضَّالُ، وهي المتعلقَةُ بقوْلِهِ عَلَى أَنَّ الإمامَ محمد النفس الزكية لم يكُنْ له وَلَدٌ اسمُهُ أحمد، وهذِهِ المراجِعُ التي ذكرْنَاهَا والتي أَثْبَتَتْ عَنْ آخرِهَا صِحَّةَ بُنُوَّةِ أحمَدٍ، وأَنَّهُ من عدَادِ الأبناءِ السبعة للإمامِ محمد النفس الزكية كَافِيَةٌ لِسَدِّ فَمِّ هَذَا الجَاهِلِ، وَطَمْسِ ضَلَالَاتِهِ، وَمَحْوِ تُرُّهَاتِهِ.
أَمَّا الإشكالُ الثاني قَوْلُ هذا الجاهِلِ: والمعلُومُ أَنَّ الإمامَ محمد النفس الزكية لم يكُنْ له عَقِبٌ إلَّا مِنْ جهَةٍ واحدةٍ، وهو ابنه عبد الله الأشتر، وَمَنِ ادَّعَى نسبَهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الإِبْنِ فَقَدْ كَذِبَ.
قُلْتُ: هذِهِ ضَلَالَةٌ أُخْرَى مِنْ ضلَالَاتِ هَذَا الغَبِيِّ الخَسِيسِ، وغابَ عنه أَنَّ النسابينَ الكبَارَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ للإمامِ محمد النفس الزكية حفدَةً مِنْ ابْنَيْهِ القاسمِ وعبدِ الله الأَشْتَرِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُقْفِلُوا البَابَ فِي هذا الموْضُوعِ، ولهذَا قال العلامةُ سيدي عبد الكبير بن هاشم الكتَّانِي في كتابه الشَّكْلِ البَدِيعِ، في النَّسَبِ الرَّفِيع: وَعقبُهُ [أَيْ عقبُ الإمام سيدي محمد النفس الزكية ]عَلَى التَّحْقِيقِ مِنَ اثْنَيْنِ هُمَا القاسمُ وعبدُ الله، وَقِيلَ إِنَّ لِأَحْمَدَ عَقِبًا، واللَّهُ أَعْلَمُ.
وبهَذَا تَعْلَمُ أن المسألةَ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ العلمَاءِ النَّسَّابِينَ الكبارِ، وَأَنَّ قَوْلَ هَذَا التَّعِيسَ بِأَنَّ نَسَبَ الإمامِ محمد النفس الزكية لَمْ يَأْتِي إِلَّا مِنْ جهَةٍ واحدَةٍ، وهي جِهَةُ ابنِهِ عبدِ اللَّهِ الأَشْتَرِ هُوَ قَوْلٌ وَاهٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ لَحَكَمْنَا بِبُطْلَانِ نَسَبِ كَثِيرٍ مِنْ ساداتنا الأشراف المُنْتَسِبِينَ لِغَيْرِهِ، كالأشرافِ العلويين والسَّعْدِيِّينَ المُنْتَسِبِينَ لَهُ مِنْ جهَةِ ابْنِهِ القَاسِمِ، وأيضَا نسَبُ الخليفَةِ الكبيرِ سيدي الحاج علي بن عيسى التَّمَاسِينِي رضي الله تعالى عنه فَهُوَ الآخَرُ مِنْ جهَةِ هذا الإِبْنِ أَيْضًا، أي القاسم.
قال العلامَةُ الحافظُ سيدي محمد الحَجُوجِي الحَسَنِي في بعْضِ تقاييدِهِ: وَنَسَبُ مولانا الشيخ أبي العباس التجاني رضي الله عنه مُتَّصِلٌ بِالإمامِ سيدي محمد النفس الزكية، من جهَةِ ابنْهِ أَحْمَدَ، وقَدْ أرادَ بعضُ المنكرينَ إِثَارَةَ التَّسَاؤُلِ في هذا الموضُوعِ، فقَالَ بأَنَّ الإمامَ المذكورَ [يعني سيدي محمد النفس الزكية ] ليْسَ لَهُ وَلَدٌ بهَذَا الإسمِ، وَلَوْ افْتَرَضْنَا وُجُودَهُ فَلَا عَقِبَ لَهُ، لِأَنَّ عَقِبَ الإِمَامِ لَمْ يَكُنْ سِوَى مِنْ ابْنَيْهِ عبدِ اللَّهِ الأشتَرِ والقاسمِ، وأَرَادَ بهَذَا إِدْخَالَ الشَّكِّ بَيْنَ أحبابِ سيدنا الشيخ رضي الله عنه ومريدِيهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ تَصَدَّى للإجابةِ عن هَذَا الإفترَاءِ العلامةُ القطْبُ الجليل سيدي الحاج الحسين الإفراني مِنْ خِلَالِ رسالةٍ مُطَوَّلَةٍ كُنْتُ اطَّلَعْتُ علَيْهَا سَابِقًا، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي عِلْمِ الأَنْسَابِ [ يعني العلامة سيدي الحاج الحسين الإفراني] بِحَيْثُ أَنَّ علمَاءَ سُوس عَنْ آخِرِهِمْ كانُوا يَرْجِعُونَ لَهُ فِي هذا العِلْمِ، وقَدْ أَعْطَى للمسألَةِ حَقَّهَا مِنَ الإِهْتِمَامِ، وأَفَاضَ القَوْلَ فيهَا بالحُجَجِ والدَّلَائِلِ التي لا تَخْفَى إِلَّا على ذَوِي الدَّنَاءَةِ مِنْ جَاهِلٍ أَوْ سَاقِطٍ أَوْ سَافِلٍ أَوْ زِنْدِيقٍ.
وذَكَرَ العلامةُ القاضي سَيُوطِيُ زمانِهِ العلامةُ سيدي أحمَدُ بن الحاج العياشي سكيرج في بَعْضِ رسائلِهِ أَنَّهُ لَمَّا كان قاضيًا بمدينَةِ الجديدَةِ ونَوَاحِيهَا رُفِعَتْ إلَيْهِ شَكْوَى مِنْ شخْصٍ يطْعَنُ في نَسَبِ شخْصٍ آخَرَ، وَكِلَاهُمَا مِنْ قَبِيلَةِ عَبْدَةَ، فَتَقَدَّمَ لَهُ أَحَدُهُمَا بالوثائِقِ التي تُثْبِتُ نسَبَهُ وَشَرَفَهُ، فَوَجَدَهَا تَكَادُ تَكُونُ مُطَابِقَةً لِقُعْدُودِ نَسَبِ سيدِنَا الشيْخِ أبي العبَّاسِ التجاني رضي الله عنه، بحَيْثُ يَنْتَهِي النَّسَبُ في هذِهِ الشَّجَرَةِ لعلِيِّ بن عبد الله بن العباس بن عبد الجبار، وَمِنْهُ إلى الإمامِ محمد النفس الزكية، وَهُوَ نَفْسُ نَسَبِ سيدِنَا الشيْخِ رضي الله عنه.
قال العلامةُ سيدي أحمد سكيرج فَقَبَّلْتُ ذَلِكَ القُعْدُودَ مِنْ جِهَتَيْهِ الأَرْبَعِ، وَأَكْرَمْتُ ذَلِكَ الشَّرِيفَ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْهِ، وَأَنْصَفْتُهُ مِن ابْنِ عَمِّهِ الطَّاعِنِ فِي نَسَبِهِ، وَتَحَقَّقَ لِي ما ذَهَبَ إليه بَعْضُ كبارِ علماءِ الطريقَةِ بالمغربِ كأبي عبد الله سيدي محمد أكنسوس، وأبي حامدٍ مولانا العربي بن السائح، إِذْ كِلَاهُمَا ذَهَبَا عَلَى أَنَّ أَجْدَادَ سيدِنَا الشيخ رضي الله تعالى عنه كانوا سَابِقًا يقطنُونَ قبيلَةَ عَبْدَةَ. وأَنَّ المُنْتَقِلَ مِنْهُمْ إلى قريَةِ عين ماضي هُوَ جَدُّهُ الرَّابِعُ، نَزَلَ بِالقَرْيَةِ المذكورة، وَتَزَوَّجَ مِنْ قَبِيلَةِ تِجَانَةَ، وبها أقام أولادُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ النِّسْبَةُ إِلَى أَخْوَالِهِمْ، أَيْ إلى أَهْلِ القَرْيَةِ والقَبِيلَةِ التي اسْتَوْطَنُوهَا.
[ ملحوظة ] لم أَسْتَعْمِلْ فِي هذا الرَّدِّ وَلَوْ كِتَابًا واحدًا مِنْ مراجعِ طريقتنا الشريفة، نَظَرًا لِكَوْنِ هذا المُنْكِرِ لَا يعتقِدُ الطريقَةَ لَا مِنْ قريبٍ وَلَا مِنْ بعيدٍ، وَبِالتَّالِي كانَ مِنَ الوَاجِبِ أَنْ نَرُدَّ عليهِ مِنْ مَرَاجِعَ أُخْرَى، وَهُوَ مَا انْتَهَجْنَاهُ في هذا الرَّدِّ، وبالله التوفيق.