Skiredj Library of Tijani Studies
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وبعْدُ: طلَبَ منِّي أَخٌ أحمدِيٌّ وبإِلْحَاحٍ منْهُ أَنْ أتحدَّثَ له عَنْ رِفْقِ سيدِنَا الشيْخِ رضي الله تعالى عنه بالإنسَانِ مهْمَا كانَتْ وضعِيَتُهُ، بَلْ بالحيوَانِ مِنْ دوابٍّ وطيورٍ وحشرَاتٍ وغيرِهَا، فأقولُ مجيبًا له: اعلَمْ أَنَّ سيِّدَنَا الشيْخَ رضي الله عنه كانَ في هذا البابِ كغيرِهِ مِنَ الأبوابِ الأخرى مقْتَدِيًا بِهَدْيِ وسنَّةِ جدِّهِ المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولَنْ أتحَدَّثَ لك عَنْ رِفْقِهِ وحنَانِهِ وشفَقَتِهِ بأخيهِ الإنسانِ، لأَنَّ هذَا مِنْ تحصيلِ حاصِلٍ، لاسِيَمَا وقد تجَلَّتْ فيه رضي اللهُ عنه آثَارُ الآيةِ الكريمَةِ [كَتَبَ ربكُمْ على نفسِهِ الرحمَةَ] وفي هذا الإِطَارِ أَعِدُ سادَاتِنَا المسْتَمِعِينَ لهذَا الشرِيطِ أنني سأَتَحَدَّثُ في شرِيطٍ لاحِقٍ عن حُسْنِ معاملَةِ سيدِنَا الشيْخِ رضي الله عنه لمَنْ كان تحْتَ يدَيْهِ مِنَ المَمَالِيكِ والعبِيدِ والأَمَاءِ، فقد كانَ يُضْرَبُ بهِ المثَلُ في حسْنِ معامَلَتِهِمْ. خصوصًا لدَى استيطَانِهِ بالعاصمَةِ العلميةِ فاسٍ.
أمَّا الحَيَوَانَاتُ فَمِمَّا يَلْفِتُ النَّظَرَ فِي سِيرَةِ سَيِّدِنَا الشَّيْخِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ رَحِيماً بِهَا، شَدِيدَ اللَّهْجَةِ عَلَى مَنْ يُؤْذِيهَا أَوْ يَتَجَاوَزُ الحَدَّ المَسْمُوحَ فِي اسْتِعْمَالِهَا. سمِعْتُ مرَّةً مِنَ الفقيهِ المقدَّمِ سيدي لحسنْ الفطواكِي الدمناتي قَالَ: قَطَعَ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي اتِّصَافِهِ بِالرَّحْمَةِ شَوْطاً بَعِيداً لَا يُقَارِبُهُ فِيهِ وَلِيٌّ آخَرُ، وَوَرَاءَ اتِّصَافِهِ بِذَلِكَ وِرَاثَةٌ نَبَوِيَّةٌ ضَارِبَةٌ فِي الجُذُورِ،
[قُلْتُ] فمِنْ هَذَا البابِ أنَّ الشريفَ الجليلَ سيدي موسى بْنَ معزوزٍ جاءَ ذاتَ مرَّةٍ صباحًا إلى دارِ سيدِنَا الشيخِ رضي الله عنه، وهي دارُ المرايَهْ، وجاءَ معَهُ بِبُرْكَةٍ على سبِيلِ الهديَّةِ، وهِيَ طائِرٌ مَائِي مِنْ الفصِيلَةِ الوَزِّيَّةِ، فأَخَذَهَا مِنْ يدَيْهِ أحَدُ العبيدِ، وأَظُنُّهُ سيدي بوجمعَهْ، نظَرًا لطُولِ عهدِي بقراءَةِ هذِهِ الحكايةِ، ووضَعَهَا في الخصَّةِ، وهِيَ نافورَةُ الماءِ التي لَا زالَتْ إلى يوْمِنَا هذَا وسَطَ فِنَاءِ دارِ المرايَةِ، وكانَتْ هذهِ العادَةُ جاريةً عندَ أهلِ فاسٍ لَا يَرَوْنَ فيها أَيَّ حرَجٍ، فلَمَّا رَمَى سيدُنَا الشيخُ رضي الله عنه بعينَيْهِ إلى الخصَّةِ، ورَأَى البُرْكَةَ المذكورَةَ تَدُورُ بمُفْرَدِهَا وتسِيرُ في الماءِ، الْتَفَتَ إلى أحَدِ عبيدِهِ قائلا: انْظُرُوهَا فَإِذَا كَانَتْ ذَكَراً فَانْظُرُوا لَهَا أُنْثَى، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَانْظُرُوا لَهَا ذَكَراً، فَإِنَّهَا تَتَضَرَّرُ وَحْدَهَا بِغَيْرِ زَوَاجٍ، فتَقَدَّمَ آنذاك أحَدُ الخدَّامِ، ووَجَدَ البُرْكَةَ أُنْثَى، وذَهَبَ على الفوْرِ إلى السوقِ، واشتَرَى لها ذكَرًا مِنَ البُرْكِ، وأَتَى بِهِ ووَضَعَهُ في الخصَّةِ، بناءً على طلَبِ سيدِنَا الشيْخِ رضي الله عنه، ويُذْكَرُ أنَّ هذا الخادمَ التَقَى في السوقِ أثنَاءَ بحثِهِ عن ذِكْرِ البُرَكِ، الْتَقَى بأحدِ علماءِ مدينةِ فاسٍ، فسألَهُ هذا العالِمُ لماذَا تبحَثُ بالذاتِ عَنْ الذَّكَرِ ولمَاذَا لَا الأُنثى، فحَكَى له الخادِمُ الحكايَةَ، فقال العالِمُ: لَمْ أقِفْ على شيْءٍ من هَذَا القبِيلِ فيمَا قرَأْنَاهُ وحصَّلْنَاهُ من كُتُبِ الفقْهِ، فلَمَّا عادَ الخادِمُ وحَكَى ذلك لسيدِنَا الشيخِ رضي الله عنه قال مجيبًا لَهُ: وَمِنْ جَهْلِ السَّائِلِ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا يُسَطَّرُ فِي الأَوْرَاقِ.
ومِنْ هذا القبيلِ أيضًا أنَّ سيدَنَا الشيخَ رضي اللهُ عنه أرادَ أَنْ يَحْمِلَ بعضًا مِنْ أغراضِهِ في السوقِ بفاسٍ، فطلَبَ حمَّالًا، فجاءَ أحدُهُمْ ببغْلَةٍ مدْبُورَةٍ، وعلى ظهْرِهَا كِمِّيَاتٌ كثيرةٌ مِنْ أكداسِ الزرْعِ، فلَمَّا رآى سيدُنَا الشيخُ رضي الله عنه هذه البغْلَةَ صرَفَ نظَرَهُ عنْهَا، ولَامَ صاحِبَهَا وأَنَّبَهُ عنْ سوءِ معاملتِهِ لدَابَّتِهِ، وحمْلِهِ للأثقَالِ الكثيرةِ على ظهْرِهَا، مَعَ ما تُعَانِيهِ هذِهِ المسكينَةُ مِنْ وجروحٍ وهُزَالٍ وضُعْفٍ شديدٍ. فقال له صاحبُ البغْلَةِ: لا بَأْسَ يا سيِّدِي، اسْمَحْ لِي أَنْ أَحْمِلَ أغراضَكَ إلى المكانِ الذي تريدُهُ، فقال سيدُنا الشيخُ رضي الله عنه مجيبًا له: [[يَكْفِيهَا هَمْهَا ما نَزِيدْهَا حتَّى همِّي]]
بمَعْنَى يكْفِيهَا ما هِيَ فيهِ مِنَ الهَمِّ، فلَا أزيدُهَا أَنَا الآخَرُ همِّي، أَيْ أغْرَاضِي وأثقَالِي، وكانَ بجَانِبِ سيدِنَا الشيخِ رضي الله عنه حينَهَا أحَدُ جِلَّةِ أصحابِهِ، والواضحُ مِنْ كناشِ الفقيهِ سيدي أحمَدَ بنانِي كلَّا أنَّهُ العارِفُ الشريفُ سيدي محمَّدُ الغالي بوطالبْ، فاسْتَفْسَرَهُ عن هذِهِ المقالةِ، وهيَ قولُهُ: [[يَكْفِيهَا هَمْهَا ما نَزِيدْهَا حتَّى همِّي]] فأجابَهُ بقولِهِ:
يَا فُلَانُ جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بُسْتَاناً لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسَحَ دُمُوعَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ صَاحِبُ هَذَا الجَمَلِ؟ فَقَالَ صَاحِبُهُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ البَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتَذْنِبُهُ [أَيْ تُتْعِبُهُ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ]
والحكايتَانِ معًا اللَّتَانِ ذكرتُهُمَا الآنَ موجودتَانِ في كتابِ الإفادةِ الأحمدية، لمُريدِ السعادة الأبدية، بتَصَرُّفٍ وتلخيصٍ مِنْ مؤلِّفِهَا الفقيهِ الشريفِ سيدي الطيبِ السفياني، وهُنَاكَ حكايةٌ ثالثةٌ، وهيَ الأخرى مذكورَةٌ في الكتابِ نفسِهِ، وأيضًا في كشفِ الحجابِ، عمَّنْ تلاقى مع الشيخِ التجاني مِنَ الأصحابِ، للعلامةِ سيدي أحمَدَ سكيرِجَ، وأيضًا في بعْضِ كنانِيشَ وتقايِّيدَ الأصحابِ الآخرين، وهِيَ أنَّ سيدِنَا الشيخَ رضي الله عنه كان قادمًا معَ بعضِ خدَّامِهِ خارجَ أسوَارِ مدينةِ فاسٍ، والصحيحُ أنَّهُ كان حينَهَا قادمًا مِنْ جهَةِ وادي الجواهرِ، فرَأَى وهُوَ في الطريقِ بهيمةً مُلقاةً في مزبلَةٍ على مَقْربَةٍ من بابِ أبي الجنُودِ، وهيَ بالحيَاةِ، غيرَ أنها منهَكَةُ القِوَى، في حالةٍ شديدةٍ من الضعْفِ والهُزَالِ والوباءِ أيضًا، وقد رَمَى بها صاحبُهَا في هذه المزبلَةِ مخافَةَ أنْ تموتَ في بيتِهِ داخلَ المدينةِ، وبالتالِي تَتَرَتَّبُ عليه آنذاك مصاريفُ الكرَاءِ لحمْلِهَا لمكانٍ مَا خارجَ أسوارِ المدينةِ، فلمَّا وقَفَ عليهَا سيدُنَا الشيخُ رضي الله عنه سأَلَ عن صاحبِهَا مَنْ هُوَ؟ فقيل لَهُ أنَّهَا لفلانٍ الفلانِي، الساكِنِ في الحيِّ الفُلاني والزنْقَةِ الفُلانيةِ، فتَأَسَّفَ رضي الله عنه كثيرًا لهذَا الصنِيعِ، والْتَفَتَ إلى مَنْ معَهُ مِنْ عبيدِهِ، وكانَ منهمْ خديمُهُ السيدُ بلالْ فقالَ: أَوَ تَبْقَى بِالجُوعِ، لَا يَحِلُّ هَذَا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى صَاحِبِ التَّرْجَمَةِ وَقَالَ لَهُ : يَا بِلَالُ اللَّهُ يَسْتُرُ عَلَيْكَ، ائْتِهَا بِمَا تَأْكُلُ وَمَا تَشْرَبُ إِلَى أَنْ تَمُوتَ، فَصَارَ يَتَفَقَّدُهَا فِي الأَكْلِ وَالشُّرْبِ حَتَّى قَضَى اللَّهُ تَعَالَى بِوَفَاتِهَا.
وخلاصَةُ القوْلِ فَالقَسْوَةُ عَلَى الحَيَوَانِ غيرُ مقبولةٍ تمامًا، بَلْ تُدْخِلُ النارَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ.
وَالرَّحْمَةُ بِالحَيَوَانِ واجبَةٌ، وتُدْخِلُ الجنةَ وَذَلِكَ بِنَصِّ الحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ البُخَارِي فِي صَحِيحِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنْ العَطَشِ مِثْل الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ.
عمومًا فهَذَا لَيْسَ بِغَرِيبٍ، فَسَيِّدُنَا الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُتَمَسِّكٌ فِي هَذَا وَذَاكَ بِسُنَّةِ جَدِّهِ المُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي هذا القدْرِ من الجوابِ كفايةٌ والسلام