21‏/3‏/202631 دقيقة قراءةFR

درر الحكمة لعلماء التيجانية (1)

Skiredj Library of Tijani Studies

تعاليم خالدة في الذكر، والأدب، والصلاة، والتربية الروحية، والعبادة اليومية في التقليد التيجاني

إن التراث العلمي التيجاني لا يحفظ الكتب الكبرى والنصوص العقدية فحسب، بل يحفظ أيضًا عددًا لا يُحصى من اللمحات الروحية الوجيزة: تعاليم مختصرة، وأدعية، وإرشادات عملية، وتذكيرات

مضيئة منقولة عن أئمة مثل سيدي أحمد سكردج، وسيدي العربي بن السائح، وسيدي محمد الحَجّوجي، وغيرهم.

تجمع هذه المجموعة الأولى من «درر الحكمة لعلماء التيجانية» سلسلةً من الترجمات الإنجليزية الأمينة المبنية على نصوص عربية تقليدية. وليس المقصود منها إعادةَ صياغتها على وجهٍ متسيّب، بل حفظُ نبرتها الروحية، وحكمتها العملية، وقوّتها التعبدية على أقرب ما يكون.

وتدور هذه الدرر حول موضوعات محورية في الطريقة التيجانية: لا إله إلا الله، والعبودية، وحلاوة الطاعة، والصلاة على النبي، والأدب في الذكر، والوقاية من الخداع، والأوراد اليومية، وذكر الله في كل حال.

لا إله إلا الله

يذكر العلماء أن الصيغة المباركة «لا إله إلا الله» حروفها اثنا عشر حرفًا، كلها نورانية. ومن ذكر الله بها امتلأ قلبه نورًا وحكمةً وهداية.

ويشرح ابن عربي أن هذه الصيغة الشريفة مؤلَّفة من أربعة أقسام: نفي، ومنفيّ، وإثبات، ومُثبت. ثم يصل هذه المعاني الرباعية ببنية الخلق نفسِها. فالأصول الإلهية الأربعة هي أصل وجود العالم؛ والكيفيات الطبيعية الأربع هي أصل الأجسام؛ والعناصر الأربعة هي أصل الموجودات المتولّدة؛ والأخلاط الأربعة هي أصل الحياة الحيوانية؛ والحقائق الأربع هي أصل الوجود الإنساني.

ويذكرها على النحو الآتي:

الأصول الإلهية الأربعة: الحياة، والعلم، والإرادة، والكلام، وهو أيضًا القدرة في كلٍّ من العقل والشريعة؛

والكيفيات الطبيعية الأربع: الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة؛

والعناصر الأربعة: النار، والهواء، والماء، والتراب؛

والأخلاط الأربعة: المرّتان، والدم، والبلغم؛

والحقائق الإنسانية الأربع: الجسد، والغذاء، والإحساس، والكلام.

فإذا قال العبد «لا إله إلا الله» على وعيٍ بهذا النظام الرباعي، صار لسانه لسانَ الكون، ونائبًا عن الحق في النطق. ثم يذكر العالمُ الله بذكره، ويذكر الحقُّ بذكره.

معنى العبودية

قال أحد الشيوخ مرةً لمريدٍ أبدى معه سوء أدب: «ويلك، أما تخاف أن أنزعك؟» فقال المريد: «ليس لك قدرةٌ على أن تنزع مني عبوديتي، لأن العبودية صفةٌ ذاتية للمخلوق».

فأغمي على الشيخ.

وقال سيدي أحمد سكردج إن ذلك أحضر إلى ذهنه الآية الإلهية: «إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا». فانفتح له من ذلك فهمٌ للعبودية: أن مصدرها هو الاسم الإلهي «الرحمن».XXXXX

من ابتغى العبودية الحقّة فليطلبها من هذا الاسم الشريف.

وهو يبيّن أن اسم الرحمن هو المنبع الذي صدر عنه الخلق إلى الوجود، على مقتضى المعنى الإلهي: «سبقت رحمتي غضبي». فهو عينُ مَعين العبودية. ولأجل ذلك أُمِرَت المخلوقات بالسجود للرحمن، غير أنّ كثيرًا منهم لم يدركوا سرّ ذلك الأمر، كما أشار إليه قوله تعالى: «وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن...»

فمن حقّق هذه العبودية حقًّا قام على عرش الكون، على وفق معنى الآية: «الرحمن على العرش استوى».

ورُوي أيضًا أنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، لما بلغ أعلى المقامات في الإسراء والمعراج، أوحى الله إليه: «يا محمد، بِمَ شرّفتُك؟» فقال: «ربِّ، بنسبتي إليك بالعبودية». ثم أوحى الله: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا...» وهذا من أعظم مقامات الفضل الإلهي.

حلاوة الطاعة

يقول سيدي أحمد سكيرج إنه لا يظن أنّ أحدًا من أولياء الله يتحمّل مشقّةً في طاعة الله إلا وجد فيها حلاوة. وكيف لعارفٍ بالله أن يأتي بالعبادات، أو يجتنب ما حرّم الله، من غير أن يذوق لذّة الامتثال لأمر مولاه؟

ويزيد في البيان أنّ شخصًا قد يجاهد نفسه للقيام لصلاة الفجر ويتحمّل مشقّة ذلك، وهو يُثاب حقًّا على احتمال تلك المشقّة. وآخر قد يقوم للصلاة نفسها بنشاطٍ وفرح، وهو كذلك يُثاب. ويرى سكيرج أنّ تلك الحالة الثانية أعظم، لأنّ بين مَن يطيع بنفسٍ طائعة، ومَن يطيع وهو مُثقل بالثِّقل، فرقًا بعيدًا.

قال الله تعالى: «وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين».

ويضرب مثالًا بالجائع الذي قُدّم له العَشاء وقد دخل وقت الصلاة. فالشريعة تبيح لمثل هذا أن يأكل أولًا كيلا يقوم بين يدي الله وقلبُه مُثقَلٌ مشغول. فالأصل بيّن: لا ينبغي أن تُؤتى الطاعة مع التبرّم والخشونة الباطنة.

كما يحذّر من داءٍ روحيّ دقيق عند بعض المريدين: فقد يتركون إحكام الصلاة المفروضة لأنهم يتشوّفون إلى الفراغ منها سريعًا لينتقلوا إلى وردٍ أو نافلةٍ التزموها. ثم إذا أتوا بتلك النافلة شغلتهم الخواطر بنافلةٍ أخرى. وبهذا يثقلون عن الفرض، ثم يثقلون عن ما التزموه، وهم يلاحقون ما ليس بواجب. وهذا، كما يقول، علامةُ من لم يجالس أهل الله، فلم يُعرَّف خفايا عيوب نفسه.

لقَبول الصلاة على النبي

من التعاليم المنقولة في التقليد العلمي التيجاني أنّ المَلَك الموكَّل بجمع الصلوات على النبي، صلى الله عليه وسلم، يُسمّى سلْسَييل. فإن قُبلت الصلاةُ بلّغها إلى النبي وذكر اسمَ مُرسِلها. وإن لم تُقبل بلّغها دون أن يذكر اسم مُرسِلها، قائلًا فقط: «هذه صلاة أُرسلت عليك في وقت كذا وكذا».

ويذكر العلماء شروطًا للقبول:

أن تُقال على طهارةٍ من الحدث؛

وفي مكانٍ طاهر؛

من غير أن تُقطع بكلامٍ أجنبيّ؛

وألا تكون مع غيبةِ قلبٍ تامّة.

ويبيّنون أيضًا أنّه لكي يُعَدّ المرءُ من المُكثرين من الصلاة على النبي، ينبغي أن تصدر الصلاة امتثالًا لأمر الله، وتعظيمًا للنبي، ومحبّةً له، ومعرفةً ببعض خصاله الشريفة، وصورةً باطنةً لحضرته المباركة كأنّ المصلّي بين يديه. ثم يصلّي عليه بحضورٍ وخضوعٍ وأدب. فإذا فُعل هذا ولو مرةً في اليوم على أكمل الوجوه عُدَّ صاحبُه من المكثرين من الصلاة عليه.

ورُوي أيضًا عن سيدي الدمراوي أنّ من صلّى على النبي عشر مراتٍ في كلّ وقتٍ من أوقات الصلوات الخمس، وأضاف عشرًا أخرى في جوف الليل على الدوام، وُهِبَ الأمانَ من سخط الله وصار من أهل الشفاعة.

صفات الفقهاء الحقيقيين

الفقهاء الحقيقيون هم الذين لهم بصيرةٌ في دينهم. ينظرون إلى الحقّ من غير انتقاصٍ للناس. ويعلمون ويُقِرّون أنّ المجتهد المصيب له أجران، وأنّ المجتهد المخطئ له أجرُ اجتهاده بحسب نيّته وقصده الصادق، ما لم يكن هناك لَيٌّ للألسنة ولا طعنٌ في الدين.

وهذا التعريف يضع معيارًا رفيعًا: فالعلم الحقّ ليس كِبرًا ولا سخريةً ولا عصبيةً مذهبية، وإنما هو عدلٌ وتوازنٌ وإخلاص.

ألفاظ تُقال في أثناء الصلاة وبعدها

نُقل عن سيدي العربي بن السائح أنّ سيّدنا، يعني الشيخ أحمد التيجاني، كان يقرأ في السجدة الأولى من الصلوات الخمس: Subhan Allah wa al-hamdu li-Allah، وفي السجدة الثانية: Salat al-Fatih لما أغلق.

ومن الفوائد المتعلّقة بذلك ما ذُكر في كراريس سيدي محمد سكيرج: أنّ من قال بعد صلاة الفجر: Subhan Allah wa bi-hamdihi، Subhan Allah al-'Azim، وداوم على ذلك أربعين يومًا متتابعة على الأقل، أتته الدنيا ذليلةً وعلى كُرْهٍ منها.

مراعاة الأدب في الذكر

شدّد الشيخ أحمد التيجاني تشديدًا بالغًا على مراعاة الأدب في الذكر. فنهى عن التلحين، وعن المبالغة في الترنيم، وعن مَدّ الصوت، وعن السماع المطرب، وعن التمايل، وإظهار الوجد، والانفلات الذي لا ضبط له. وبدل ذلك ألزم الخشوع والانكسار بين يدي الله والتسليم.

وكان إذا ذكر الناس الله في بيتٍ لا تُسمع أصواتهم عند بابه. بل ينبغي أن يكون الصوت خافتًا كدويّ النحل، تعظيمًا لبيوت الله التي لا تُرفع فيها الأصوات، فضلًا عن الصياح والصراخ.

ويستشهد العلماء بالآية: «إن الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله...» ويبيّنون أنّ النبي، والخلفاء الراشدين، والعظماء من الأئمة والقدوات قد يحضرون حضورًا روحيًا في هيللة الجمعة إذا كانت خاليةً من البدعة والفتنة والعبث واللعب. وإلا فلا حضور.

وقال النبي أيضًا: «جنّبوا مساجدكم صبيانكم، وجنّبوها رفع أصواتكم، وخصوماتكم، وبيعكم وشراءكم». وقال: «الكلام في المسجد بغير ذكر الله يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب اليابس».

معرفة الدجّالين والكذّابين

ومن علامات أهل التزوير الروحيّ والدعاوى الباطلة ما يلي: إذا رأيتَ رجلًا يُعظّم الحكايات النادرة والغريبة في الكرامات، والأوراد الزائدة، والأسرار ذات الألفاظ الدخيلة، والخيالات المريبة، وهو لا يزال يثني على هذه الغرائب بدل أن يثني على الورد الواجب وأذكار الضرورة، فاعلم بلا تردّد أنه ضالٌّ ويُضلّ غيره.

والعلماء التيجانيون واضحون هنا: ليست الأصالة الروحية بما يثيره الناس من دعاوى مثيرة، وإنما تُقاس بالوفاء بالفرائض وبالأوراد الثابتة.

ما يُقال في شعبان

نُقلت فائدةٌ في مذكّرات أهل العلم أنّه مكتوبٌ في التوراة أنّ من قال في شهر شعبان:

La ilaha illa Allah wa la na'budu illa iyyahu mukhlisina lahu al-din wa law kariha al-kafirun

كتب الله له ثواب ألف سنة من العبادة، ومحا عنه ذنوب ألف سنة، وأقامه من قبره ووجهه كالبدر التام.XXXXX

والله أعلم.

وقاية من الغيبة

قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا جلستَ في مجلس فقل:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد

فإن الله يوكّل عليك مَلَكًا يمنعك من غيبة الناس. وإذا قمتَ من ذلك المجلس فقل الصيغة نفسها، فلا يغتابك الناس، لأن المَلَك يمنعهم من ذلك.

وهذه لؤلؤة جميلة تجمع بين الأدب والوقاية: أن تُفتتح المجالس الاجتماعية وتُختتم باسم الله والصلاة على رسوله.

لِمَن يشتاق إلى رؤية النبي في المنام

يحفظ العلماء عدة أورادٍ مروية لمن صدقَت رغبته في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام.

ومنها:

أن يغتسل ليلة الجمعة، ويصلي ركعتين، يقرأ فيهما: قل هو الله أحد ألف مرة؛

أو أن يصلي ركعتين يقرأ فيهما الفاتحة مرة، وآية الكرسي مرة، وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة في كل ركعة، ثم بعد الصلاة يصلي على النبي ألف مرة؛

أو أن يقول سبعين مرة:اللهم صلِّ على روح محمد في الأرواح، اللهم صلِّ على جسد محمد في الأجساد، اللهم صلِّ على قبر محمد في القبور.

ومن الممارسات المروية أيضًا أن يصلي ركعتين، يقرأ فيهما الفاتحة مرة، وقل هو الله أحد مائة مرة في كل ركعة، ثم بعد الصلاة يقول ثلاث مرات:

يا محسن، يا مجمل، يا منعم، يا متفضل، أرني وجه نبيك صلى الله عليه وسلم

كما ذُكر أيضًا دعاء أطول للغرض نفسه.

وقد أشار سيدي أحمد السكّيرج كذلك إلى أن أباه أخبره أن من صلى بالصلاة الآتية على النبي سبعمائة مرة فقد يراه في تلك الليلة بعينها. وقد عمل بها هو نفسه، وبينما كان يقرؤها غلبه النوم فرأى النبي:

اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تنجينا بها من جميع الأحوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتطهرنا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات، من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات.

من أقوى الأسباب لرؤيته

ويعلّم العلماء أيضًا أن من أقوى الأسباب لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم: أن يتصوره المرء تصورًا حيًّا وهو يستمع إلى حديثه، وأوامره، ونواهيه.

وقد يتخيله العارف:

يوم بدر، والمؤمنون يلجؤون إليه والملائكة تنزل لنصرته؛

ويوم الفتح، تحيط به الأنصار، ولا يُرى فيهم إلا بوارق الحديد؛

وهو يدخل المدينة في الهجرة، والجواري والأطفال ينشدون: «طلع البدر علينا...»؛

وتحت شجرة الرضوان، والصحابة يبايعونه على الموت بين يديه؛

وساجدًا قرب العرش حتى يُقال له: «ارفع رأسك، سل تُعطَ، واشفع تُشفَّع»؛

أو وهو يقرع باب الجنة والمؤمنون يتبعونه من ورائه.

ويقول العلماء إن الناس يتفاوتون في مدى انطباع صورة النبي في قلوبهم. فمنهم من لا يدركها إلا بعد جهد وتأمل. ومنهم من يراه كلما اشتد ذكره له، ولا سيما في الخلوة. ومنهم من يراه كثيرًا كلما غلبه النوم. ومنهم—وهم أهل المقامات العليا—من يشهده بعين البصيرة في اليقظة والمنام سواء. وأعلى من ذلك من يراه بعينه الباصرة في عالم الحس. جعلنا الله منهم.

«المسافر الذي لا يزال يسافر»

سأل رجلٌ رسولَ الله عن أفضل الأعمال، فقال: «عليك بحالِ المسافر الذي لا يزال يسافر». فلما سُئل عن معنى ذلك قال: صاحبُ القرآن يبدأ من أوله حتى يبلغ آخره، ثم يعود فيبدأ من أوله؛ كلما وصل ارتحل مرة أخرى.

وهذه لؤلؤة في الثبات: فالحياة الروحية ليست حماسة عابرة، بل رجوع متصل لا ينقطع.

ما يُقال عند لبس الثوب

ورد في حديث أن من لبس ثوبًا فقال:

الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة

«الحمد لله الذي ألبسني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة»،

غُفر له ما تقدّم من ذنبه، وفي بعض الروايات حتى ما تأخر.

ما يُقال قبل النوم

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وضع يده اليمنى تحت خدّه الأيمن وقال:

باسمك ربي وضعتُ جنبي وبك أرفعه، اللهم إن أمسكتَ روحي فاغفر لها، وإن أرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين

«باسمك يا رب وضعتُ جنبي وبك أرفعه. اللهم إن أمسكتَ روحي فاغفر لها، وإن أرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».

أهمية وصل البسملة بالفاتحة

جاءت رواية عجيبة حفظها العلماء: أن من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم موصولةً مباشرة بالفاتحة في نَفَسٍ واحد، قال الله تعالى: بعزتي وجلالي وكرمي ومنّي، اشهدوا عليّ أني قد غفرتُ له، وقبلتُ حسناته، وتجاوزتُ عن سيئاته، ولن أُحرق لسانه بالنار، ولأحفظنّه من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وعذاب يوم القيامة، والفزع الأكبر.

ومهما تكن الدرجة الدقيقة لمثل هذه الرواية، فقد حفظها العلماء للتأكيد على تعظيم البسملة وافتتاح الكتاب.

ما يُقرأ يوم عرفة

ورد دعاء مبارك ليوم عرفة يُقرأ مائة مرة:

بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله.بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله.بسم الله ما شاء الله لا يكشف السوء إلا الله.بسم الله ما شاء الله كل نعمة من الله.ما شاء الله الخير كله بيد الله.ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله.

وهذه طريقة يسيرة قوية لإثبات الافتقار الكلي إلى الله.

مواضع وأوقات للصلاة على النبي

يذكر العلماء أوقاتًا متعددة تكون الصلاة على النبي فيها ذات فضلٍ خاص.

ومنها يوم السبت، اعتمادًا على رواية تقول: «أكثروا من الصلاة عليّ يوم السبت، فإن اليهود يكثرون فيه من تجارتهم؛ فمن صلى عليّ مائة مرة في ذلك اليوم فقد أعتق نفسه من النار واستحق الشفاعة».

ويذكرون أيضًا وقت العُطاس. وتذكر رواية أن من عطس وقال:

الحمد لله رب العالمين على كل حال، وصلى الله على سيدنا محمد وآل بيته

خلق الله من منخره الأيسر طائرًا أكبر من الذبابة وأصغر من الجراد، يرفرف تحت العرش وهو يقول: «اللهم اغفر لقائلها».

لنيل السعادة الأبدية

ومن جوامع الأدعية النبوية التي حفظها العلماء هذا الدعاء:

اللهم أغنني بالعلم، وزيّني بالحِلم، وأكرمني بالتقوى، وجمّلني بالعافية

«اللهم أغنِني بالعلم، وزيِّنِّي بالحِلم، وأكرِمني بالتقوى، وجمِّلني بالعافية».

ويقول العلماء: إن من واظب على هذا الدعاء نال ما يرجوه، بفضل الله.

ما يُقال يوم عاشوراء

ومن الفوائد المنقولة: أن من قرأ سبع مرات يوم عاشوراء:

Subhan Allah ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش، لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، سبحان الله عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامة كلها، أسألك السلامة كلها برحمتك يا أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون

لا يموت في تلك السنة التي قرأه فيها؛ وإن كان أجله قد دنا، لم يوفّقه الله لقراءته.

وتحفظ الملاحظات العلمية نفسها أيضًا الأحاديث المشهورة:

«من وسّع على عياله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته».

«صيام يوم عاشوراء: أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله».

معنى الصلاة الإبراهيمية

فسّر العارف أبو محمد المرجاني سببَ تعليم النبي للمؤمنين أن يقولوا في الصلاة الإبراهيمية: «كما صليت على إبراهيم»، لا «كما صليت على موسى».

وقال إن موسى شهد التجلي الإلهي للجلال فسقط مغشيًّا عليه، بينما شهد إبراهيم تجلي الجمال، لأن المحبة والخُلّة من آثار تجلي الجمال. فهكذا عُلِّم المؤمنون أن يسألوا أن تُرسل البركات على النبي على وجه الجمال الذي مُنح لإبراهيم.

وليس في هذا معنى المساواة بين النبيين في الرتبة؛ وإنما معناه الاشتراك في نوع التجلي، مع أن كلاً منهما يناله بحسب مقامه الخاص بين يدي الله. ويبقى النبي أعلى رتبة، وإن كانت الصلاة تستدعي الوجه الإبراهيمي من الجمال الإلهي.

الرَّحِم المُهْمَل

روى محيي الدين ابن عربي في «الفتوحات» أنه حجّ واعتمر مرةً هو وأصحابه نيابةً عن أبينا آدم وأمنا حواء. فرأى ملائكة كثيرين يتلقّون ثواب ذلك الفعل بفرح، وقال: «إنها رحمٌ مُهْمَلة».

وهذه العبارة الوجيزة مفعمة بالحنان؛ إذ تُذكّر المؤمنين ألا يقتصروا على تذكّر الصالحين والأولياء، بل حتى الأبوين الأولين للإنسانية.

فوائد متفرقة

يروي العلماء أن الشيخ أحمد التيجاني كان يحثّ أصحابه على أن يصلوا ركعتين بعد المغرب قبل الكلام.

يقرأ في الركعة الأولى الفاتحة، ثم من أول سورة البقرة إلى «...هم المصلحون»، ثم «وإلهكم إله واحد...» إلى «...لقوم يعقلون»، ثم «قل هو الله أحد» خمس عشرة مرة.

ويقرأ في الركعة الثانية الفاتحة، ثم آية الكرسي إلى «...هم فيها خالدون»، ثم «آمن الرسول...» إلى آخر السورة، ثم «قل هو الله أحد» خمس عشرة مرة.

والثواب المنقول المرتبط بهذه الصلاة عظيم جدًا، مع أوصاف لمدائن، وقصور، وبيوت، وغرف، وأروقة، ونِعَم في الجنة لا يعلم مقدارها الحقيقي إلا الله.

لقضاء الحاجات

ذكر الولي الصالح سيدي أحمد بن محمد بن ناصر الدارعي أن من همّ بعرض حاجة وأحب أن تُقضى فليكتب «محمد» على الخنصر من اليد اليمنى و«Dahṭa» على الإبهام، ثم يتوجه إلى حاجته، فتُقضى بقدرة الله وعزته.

وتنقل تعليمة أخرى محفوظة في السلسلة نفسها: أنه إذا كانت الفاتحة تُقرأ وكنت تعلم أنها السبع المثاني والقرآن العظيم، فانوِ حاجتك في أول الفاتحة، فإن فاتحة واحدة تكفي لأهل السماوات والأرض.

فِداءٌ من النار

ومن الفوائد المنقولة قولهم:

من قال «لا إله إلا الله» سبعين ألف مرة فقد جعلها فداءه.

ويذكر العلماء أيضًا أن من قرأ البسملة ثمانمائة مرة، وهو معتقد ربوبية الله، فُدي من النار وأُدخل جنة الخلود.

ما يُقال عند رؤية جنازة أو دخول مقبرة

وردت فائدة: أن من رأى جنازة وقال ثلاث مرات:

Hatha ma wa'adana Allah wa Rasuluh, wa sadaqa Allah wa Rasuluh, Allahumma zidna imanan wa taslima

«هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله.XXXXX

«اللهم زدنا إيمانًا وتسليمًا»،

يكتب الله له عشر حسنات إلى يوم القيامة.

وجاء في رواية أخرى أن من دخل المقبرة وقال:

Allahumma Rabb hadhihi al-ajsad al-baliya wa al-'izam al-nakhira التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما مني

نال ثوابًا بعدد المؤمنين الذين ماتوا منذ أن خلق الله آدم.

كما يلاحظ العلماء أن كثيرًا من أفراد أسرة سكّيرج كانوا يتمنّون أن يُدفنوا قرب ساداتٍ صالحين من مشايخ التيجانية، مثل سيدي الطيب السفياني وسيدي أحمد العبدلاوي، التماسًا لبركة القرب من الأتقياء حتى بعد الوفاة.

لمن يرى في المنام ما يفزعه

من رأى في المنام شيئًا يكرهه ويُفزعه فليبصق عن يساره بصقًا خفيفًا ثلاث مرات وليقل:

A'udhu bi kalimat Allah al-tammati min kulli shaytan wa hammah wa min kulli 'ayn lammah

ثم إن الله يحفظه مما يُفزعه.

ومن الأدعية النبوية الأخرى:

A'udhu bi kalimat Allah al-tammati min ghadabihi wa 'iqabihi wa sharri 'ibadihi wa min sharri hamazat al-shayatin wa an yahdurun

وكان عبد الله بن عمر يعلّمها من بلغ من عياله، ويكتبها لمن لم يبلغ.

الفضل العظيم لسورة الإخلاص

سجّل سيدي أحمد سكّيرج خبرًا عن الصحابي معاوية بن معاوية المزني، الذي تُوفّي في حياة النبي. جاء جبريل إلى النبي وقال: «يا محمد، قد مات معاوية المزني، أفَتُحبّ أن تصلّي عليه؟» فقال النبي: نعم. فضرب جبريل الأرض بجناحيه حتى ما بقي شجر ولا تلّ إلا انخفض، ورُفعت الجنازة للنبي حتى رآها فصلّى عليه. وخلفه صفّان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك.

وسأل النبي: «يا جبريل، بمَ نال هذه المنزلة عند الله؟» فقال: «بحبّه لـ Qul huwa Allahu ahad وبقراءته لها في المجيء والذهاب، قائمًا وقاعدًا، وفي كل حال».

وهذه من أجمل الشهادات بعظمة سورة الإخلاص.

للحماية

ومن الأدعية التي أجازها الشيوخ:

Allahumma sakin ṣadmat qahraman al-jabarut bi-altafika al-khafiyya al-warida min bab al-malakut, hatta natashabbath bi-adhyal lutfik wa na'tasim bika min inzal qudratik, ya dha al-qudra al-kamila wa al-rahma al-shamila, ya dha al-jalal wa al-ikram.

ومن الأدعية المهمة أيضًا في أوقات الوباء والبلاء:

Allahumma a'simni min jahd al-bala', wa dark al-shaqa', wa su' al-qada', wa mawt al-fuja'a...

كما حفظ العلماء وِردًا للحفظ في الصباح والمساء يتكوّن من:

A'udhu بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم سبع مرات،

وآيات من سورة التوبة،

و Hasbiya Allah la ilaha illa Huwa, 'alayhi tawakkaltu wa Huwa Rabb al-'Arsh al-'Azim سبع مرات.

ويُقال إن هذا ينفع حتى العاصي.

وتذكر رواية عن أنس أيضًا: أن من استعاذ عشر مرات في يوم، وكّل الله به ملكًا يردّ عنه الشيطان.

لمن يريد أن يرى في المنام ما يهمّه

ومن الفوائد المحفوظة في الكناشات: أن من أراد أن يرى في المنام شيئًا يهمّه فليذكر هذه الأسماء الإلهية على فراشه حتى يغلبه النوم:

al-'Alim, al-Halim, al-Badi', al-Nur, al-Qabid, al-Basit, al-Awwal, al-Akhir, al-Zahir, al-Batin

عظمة سورة يس

يروي سيدي أحمد سكّيرج أن شيخه حدّثهم عن رجل سمع أن قراءة يس تحفظ قارئها من كل أذى، ولا سيما من اللصوص. فداوم عليها مواظبة صادقة. وفي يومٍ هجم عليه لصوص، وعلى جماعة معه، فأخذوا جميع ما معهم من المتاع. فظل يقرأ غير مبالٍ. ثم أقبلوا إليه فنزعوا عنه متاعه الخاص أيضًا، وهو مع ذلك يواصل القراءة. ثم مدّوه أخيرًا ليذبحوه. عندها تنفّس تنهيدة وقال: «لا إله إلا الله، ما هذا، يا يس؟»

فلما سمع اللص الذي كان يريد قتله لفظ «يا يس»، تنحّى وقال: «هذا الرجل يعرفني»، إذ كان اسمه ياسين. فردّوا إليه متاعه ومتاع أصحابه.

ويعلّق سكّيرج بأن هذا من خواص هذه السورة.

لتيسير سؤال القبر وتجنّب عذابه

يذكر العلماء دعاءً إذا كُتب على هيئة مخصوصة يسّر سؤال الملكين وحمى من عذاب القبر:

Ya Karim al-'afw, ya dha al-'adl alladhi mala'a 'adluhu kulla shay'

كما يذكرون تفصيلات فقهية تتعلّق بكتابة آيات قرآنية أو أدعية نبوية على الكفن أو في حرزٍ يُدفن مع الميت. ولا بد من غاية التحفّظ في مراعاة حرمة الأسماء الإلهية ونصّ القرآن، وتُكره طرقٌ معينة ما لم تحفظ تلك الحرمة.

تأمّل ختامي

تُظهر هذه اللآلئ سَعة التقليد العلمي التيجاني. فهو لا يقتصر على العقيدة المجرّدة أو التعليم الرسمي. بل يشمل:

الذكر والنور الباطن،

والعبودية والتواضع،

وحلاوة الطاعة،

والأدب في الذكر،

ومحبّة النبي،

وأدعية عملية للحياة اليومية،

والحماية في أوقات الخوف،

وتعظيم شأن الموت والقبور والآخرة.

وهذا بعينه ما يجعل ميراث علماء التيجانية غنيًّا إلى هذا الحد: فقد علّموا قمم التحقّق الروحي، كما علّموا الأدعية والصيغ والآداب الملموسة التي تشكّل يوم المؤمن العادي.

وفي الحلقة القادمة ستتبع هذه لآلئ أخرى من هذا التراث الهائل، تحفظ كل واحدةٍ منها قطعة صغيرة لكنها قوية من حكمة مشايخ التيجانية.XXXXX

المادة 57

درر الحكمة عند علماء التيجانية (2)

الجمال، والأدب، واليقين، وذكر الله، والبصيرة الروحية في التقليد التيجاني

إن التراث العلمي التيجاني غنيٌّ لا بالمصنفات العقدية الكبرى والتراجم فحسب، بل كذلك بالتعاليم الروحية الموجزة التي تُنير المنطق الباطن للطريق. وهذه الفقرات القصيرة كثيرًا ما تشرح ما هي الطريقة على الحقيقة، وكيف ينبغي أن تُمارَس، وكيف ينبغي للمؤمنين أن يتحدثوا عن أولياء الله، وكيف تُحفَظ آداب السلوك في التعبد والعقيدة معًا.

ويقدّم هذا الجزء الثاني من «درر الحكمة عند علماء التيجانية» نقلًا إنجليزيًّا أمينًا لطائفةٍ من المختارات من تعاليم علماء مثل سيدي أحمد سكيرج وغيرِه من أئمة التقليد التيجاني. وتَرِد كلُّ درةٍ هنا في عنوان مستقل كي يتأمّلها القارئ على مهلٍ وبوضوح.

الطريق التيجاني طريقُ جمال

إن طريقَنا المحمديَّ التيجانيَّ قد أُسِّس على التقوى ورضا الله، بما منح اللهُ مؤسِّسَه من الصدق في معاملته مع ربّه، والكمال في محبته لرسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وأركانه المقرَّرة هي المواظبة على الورد، والوظيفة، وذكر الجمعة بعد المحافظة على الصلوات المفروضة في أوقاتها، والقيام بما أُمر به المرء، واجتناب ما نُهي عنه بحسب الاستطاعة.

وأما كرامات الشيخ، رضي الله عنه، وامتياز طريقه، فذلك مما يخرج عن الشروط الصورية للطريق نفسه. فالطريق في حقيقته ذكرٌ. وما وراء ذلك فإما فضيلةٌ وإما إفراط. ولا تُذكر الفضيلة إلا عند من يصلح لتلقّيها، وأما الإفراط فيظهر حين تُتَناوَل الأمورُ بأيدي غير المؤهَّلين لها.

ويؤكد العلماء كذلك أن الشيخ أحمد التيجاني لم يأمر أصحابَه بالاعتقاد في شيء يخالف عقيدةَ أهل الحق. بل أرشدهم إلى وزن كل ما يُنسَب إليه بميزان الشريعة: فما وافق الشرع قُبِل، وما خالفه تُرِك.

ويبيّن العلماء أنفسهم أن الطريقة التيجانية طريقُ جمال، وأن أورادَها كلَّها متجذّرةٌ في الجمال. ويستثنون بعض الأذكار المتصلة بصفات الجلال، لما في آثارها القاهرة من عدم الملاءمة لمريد هذا الطريق. ولهذا لم تُبنَ الطريقة التيجانية على طلب الخوارق أو القوى الروحية. وليست مؤسسة على نمط التربية الذي يُسلك في بعض الطرق الصوفية الأخرى. بل هي طريقُ شكرٍ، كما هو معروفٌ عند أهلها.

ومع ذلك فهي تظل طريقَ الفتوح الإلهية، ومقاماتِ الإحسان، والكشوفاتِ الروحية التي تُصبّ على أصحابها من الحضرة المحمدية ببركة الشيخ أحمد التيجاني. بل إن العلماء يقولون إن ولايتَه قاربت أن تكون أمرًا يقينيًّا حتى أقرّ بها ليس أتباعُه وحدهم، بل كثيرون من غيرهم أيضًا.

إثباتُ أولياء الله هو نفسُه نوعٌ من الولاية

يقرر العلماء أن إثباتَ أولياء الله هو نفسُه نوعٌ من الولاية، وأن من فعل ذلك وُقِيَ الضرر، لأنه يدخل في دائرة الحفظ الإلهي ويُعَدّ من أهل الله.

ومن أثبتهم حقًّا فقد أعطى الربوبيةَ حقَّها من الإقرار، وأقرّ بسعة فضل الله. لذلك، فإذا استكثر أحدٌ ما وُعِد به أهلُ هذا الطريق التيجاني من عظيم الجزاء، فإنما هو في الحقيقة يُنقِص من العطاء الإلهي الذي لا حدَّ له ولا نهاية.

ويحذّر العلماء تحذيرًا شديدًا من أقوامٍ يُسارعون إلى الاعتراض على أولياء الله من غير إحاطةٍ بجميع أدلة الشريعة، ومن غير تمكنٍ من سَعة العربية التي بها نزل الوحي. فمثلُ هذا على خطرٍ عظيم؛ إذ إن من عادى وليًّا لله فقد أُعلِن عليه الحرب من الله ورسوله.

ويذكرون أيضًا أن أولياء الله متّحدون باطنًا: إذا هوجم واحدٌ منهم قام الآخرون معه، وطُرِح المعتدي خارج صحبتهم. وهذا، يقولون، كان كذلك دائمًا وسيبقى كذلك.

وقد عبّر شاعرٌ عن المعنى تعبيرًا جميلًا: إن كان فهمُك يُلقي بك في مهاوٍ مهلكة، فكان خيرًا لك ألا «تفهم» على ذلك الوجه أصلًا.

غير أن العلماء لا يختمون بالإنكار وحده. بل يدعون المؤمنين إلى العناية حتى بأولئك المسلمين الذين لم يذوقوا بعدُ حلاوةَ إثبات أولياء الله، بأن يتمنّوا لهم التوبةَ والتوفيقَ الإلهي. وهذا، يقولون، من الخُلُق المحمدي الحق: أن يتمنى المرء للمسلمين ما هو محمودٌ مُنجٍ.

ويختمون بدعاء أن ينفعنا الله بجميع أوليائه وعارفِيه، فإنا نحبهم ونؤمن بهم، و«المرءُ مع من أحب».

الأصلُ النبوي في بسطِ الثوب الأبيض

يذكر العلماء أنه ثبتَ ثبوتًا صحيحًا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بسط رداءه الشريف لأخته من الرضاع حين جاءت في وفد هوازن. ويذكرون أيضًا أنه بسطه لدِحية الكلبي حين جاء يطلب الإسلام. فبكى دِحية، وقبّل الرداء، ووضعه على رأسه وعينيه.

وهذا، يشرحون، تعبيرٌ بيّنٌ عن التعظيم والإكرام. ولما كان رسولُ الله قدوتَنا الحسنى، جاز للمريد أن يبسط ثوبًا أبيض تعظيمًا لحضرة سيد الوجود، صلى الله عليه وسلم. بل يذهبون إلى أن المرء لو بسط جبهتَه نفسَها، أو حتى سوادَ عينيه، لمثل هذا القدوم، لكان ذلك لائقًا.

وينقلون أبياتًا تُفصح عن هذا المعنى: لو علمنا بقدومك لبسطنا صباحَ قلوبنا، أو ظلمةَ عيوننا، وجعلنا على أهدابنا طريقًا ليكون مرورُك فوقها.

لا تُكفِّروا أهلَ الإيمان بالذنب

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كُفّوا عن أهلِ لا إله إلا الله. لا تُكفِّروهم بذنب. فمن كفّر أهلَ لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب».

ويضيف العلماء أن كلامَ أولياء الله أدقُّ من أن تُدرِكه أفهامُ كثيرٍ من المتعلمين، فضلًا عن العامة. ولهذا فليس كل أحدٍ أهلًا للجواب عن الاعتراضات أو الخصومات المتعلقة بالأولياء وأهل التحقيق.

ويستشهدون بالإمام مالك، إذ أجاب مرةً رجلًا أراد أن يردّ على المبتدعة كتابةً. فحذّره مالك من أنه إن لم يكن راسخًا تامَّ القدرة فقد يزلّ فيهلك. وقال مالك إن مثل هذا الرد لا ينبغي أن يتولاه إلا من كان متمكنًا بحيث لا يجد الخصوم عليه مدخلًا.

ويُطبَّق المبدأ نفسه هنا: فمن افتقر إلى العمق والاتزان والتمكن قد يدخل مناظرةً يقصد بها نصرةَ الحق، لكنه يفتح أبوابًا لا يستطيع إغلاقها. فلا يزيد الأمرُ إلا عداءً واضطرابًا.

وينقلون كذلك وصيةَ زكريا الأنصاري: لا تُسارع إلى إنكار كلام مجتهدٍ ولا إلى تخطئته حتى تُحيط بجميع أدلة الشريعة، وبجميع لغات العربية ومعانيها التي جاءت بها الشريعة. عندئذٍ فقط يجوز لك الاعتراض. وما أبعد الناس عن مثل هذه المنزلة.

من جملة الكرامات التي أُكرم بها التيجانيونXXXXX

من جملة التعاليم المنقولة عن الشيخ أحمد التيجاني أنّ أصحابه يوم القيامة لا يقفون مع سائر الناس في الموقف العامّ للانتظار، بل يكونون في ظلّ العرش، في موضعٍ مفردٍ لهم، ولا يسبقهم إلى دخول الجنّة أحدٌ إلا أصحاب النبيّ، رضي الله عنهم.

ولمّا سُئل كيف نالوا تلك الرتبة، أجاب: «بسببي».

ويعلّق سيدي أحمد سكيرج بأن سرّ ذلك كامنٌ في القول الذي خوطب به الشيخ من قِبَل النبيّ، صلى الله عليه وسلم: «فقراؤك فقرائي، ومريدوك مريدوني، وأصحابك أصحابي».

ومن هذا، يقول، يتبيّن أنّ بين أصحاب النبيّ وبين أصحاب هذا الشيخ مناسبةً روحيةً تامّة. وبسبب تلك المناسبة يُعَدّون في جملة العظماء عند الله، وإن كانوا في الظاهر قد يبدون أناسًا عاديّين.

ما يُستحبّ بعد الوظيفة

يقول العلماء: إذا قرأ جماعةٌ من الإخوان الوظيفة معًا، استُحبّ لكلّ واحدٍ أن يصافح الذي عن يمينه والذي عن يساره، اقتداءً بالسنّة النبوية.

ويذكرون أيضًا أنّه لا بأس بقراءة الوظيفة ليلًا، لعذرٍ أو حتى من غير عذر، لفضل الليل.

جوابٌ على المنتقدين: كلام الله غير محصورٍ فيما بين دَفَّتَي المصحف

يزعم بعض المنتقدين أنّ ما لم يُكتَب بين دَفَّتَي المصحف لا يجوز أن يُسمّى جزءًا من كلام الله. ويجيب العلماء بسؤال: فأين إذًا الصحف التي أُنزِلَت على آدم، وعلى شيث، وعلى سائر الأنبياء؟ وأين التوراة؟ وأين الإنجيل؟ وأين الزبور؟

ويبيّنون أنّ كلام الله الأزلي ليس مقصورًا على الكتب المنزّلة وحدها، لأن الله متكلّمٌ أزلًا على الدوام من غير انقطاع. وكلامه فوق إدراك العقول المحدودة، إذ لا يُحيط الحادثُ بحقيقة الأزلي. والله منزّهٌ في ذاته وصفاته وأسمائه عن كلّ شَبَهٍ ومِثال. ومهما خطر ببالك فربّك بخلاف ذلك. «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير».

جوابٌ على المنتقدين: لِمَ يُبشّر أولياءُ الله أحباءَهم؟

يشرح العلماء أنّ أولياء الله إذا بشّروا أحباءهم إنما يفعلون ذلك لكي يزداد أولئك المؤمنون إيمانًا على إيمان. فمثل هذه البشائر تُنتج عباراتٍ تُفرِح المؤمن وتُغيظ المنتقد.

فالأول يُفتَح له معناها على وجهها. فيُطأطئ رأسه لها تعظيمًا ولا يرى فيها إلا الحقّ. والثاني لا يُفتَح له منها شيء. فـسوء الظنّ يصير حاجزًا بينه وبين المتكلّم، فلا يسمع إلا ما يوافق ظنونه.

ولو أنّه نزل قليلًا عن علُوِّ إعجابه بنفسه، لسمع ما سمعه غيره وفهم ما كان فيه نفعه.

ثم يذكر العلماء مثالًا من جواهر المعاني، حيث قال الشيخ إن سيّد الوجود، صلى الله عليه وسلم، أخبره وهو يقظان لا نائم: «أنت من الآمنين، وكلُّ من يراك من الآمنين، إن مات على الإيمان». وشرط «إن مات على الإيمان» يدلّ بوضوح على أنّ الأمن الموعود هو أمنُ الآخرة، لا الأمن الدنيوي بمعنى السلامة من جميع شدائد الدنيا.

ويذكّرون القرّاء أيضًا بأن الشرط الأول في الطريق هو أداء الصلوات المفروضة على وجهها، ومن وفّى بذلك فقد دخل أصلًا في نطاق الوعد الإلهي.

غير أنّ المنتقد، حين يعترض على ما أعدّه الله لعباده المصطفين، يتصرّف كأنّ الجود الإلهي ينبغي أن يُحصر في معيارٍ ضيّقٍ قابلٍ للقياس. لكن الله منزّهٌ عن قيود افتراضات العقول المحدودة.

جوابٌ على المنتقدين: سيادة النبيّ صلى الله عليه وسلم

يحذّر العلماء المؤمنين من الانضمام إلى الفئة التي تأبى إثبات سيادة النبيّ، صلى الله عليه وسلم. وقد قال هو نفسه في حديثٍ صحيح: «أنا سيّد ولد آدم، ولا فخر».

فهذا ليس غلوًّا، بل هو التزامٌ بألفاظ النبيّ الصريحة.

جوابٌ على المنتقدين: إمكان الإلهام لغير الأنبياء

يذكّر العلماء قرّاءهم بأن الإلهام الإلهي لا يختص بالأنبياء وحدهم. فقد قال الله لموسى، عليه السلام، في شأن أمّه: «وأوحينا إلى أمّك ما يوحى». ومع ذلك لم تكن أمّ موسى نبيّة. ولولا أنّها وثقت تمامًا

بما أُلقي إليها، لما ألقت رضيعها في اليمّ في تلك اللحظة العصيبة من الخطر. فقد كان فعلها مبنيًّا على إلهام، وتحقّق صدقه على وفق الوعد الإلهي.

ويستشهدون أيضًا بقصّة الخَضِر مع موسى. فبحسب العرض هنا، لم يكن الخضر نبيًّا، ومع ذلك كان يتصرّف على مقتضى الإلهام الإلهي. وتُتَّخذ العبارة القرآنية «وما فعلته عن أمري» دليلًا على أن الذي حرّكه نوعٌ من الهداية الموحاة أو الإلهام. ولم ينكر موسى أصل هذا المعنى.

وعليه يخلص العلماء إلى أنّ مثل هذا الإلهام يقع للأولياء، ولا ينكره إلا أحمق. فمن قرأ كتب الأئمة العارفين وجدها ملأى بأخبار خطابٍ إلهي مُنِح لهم. بل ينقلون عن أبي الحسن الشاذلي أنه سأل في حزبه العظيم «مشاهدةً مع الخطاب».

لكنهم يذكرون أنّ العلماء اختلفوا في هل يُعدّ الإلهام حجّةً مُلزِمة. فكثيرٌ من الفقهاء ينفون إلزامه في الحكم الشرعي، لأن المرء لا يقدر على الوثوق التامّ بخواطر باطن أحدٍ ممن ليس بمعصومٍ من الخطأ. أمّا الصوفية فيرون أنّ الإلهام حُجّةٌ على من حفِظه الله في ظاهره وباطنه.

ومع ذلك فحسن الأدب يظلّ لازمًا. فلا ينبغي أن يُسارع المرء إلى إنكار كلّ شيء، ولا أن يقبل كلّ دعوى دون تمحيص. ويذكر العلماء القصّة المشهورة لعبد القادر الجيلاني، إذ سمع مرةً صوتًا من السماء يقول له إن المحرّمات قد أُحلّت له. فبادر إلى الجواب: «اخسأ يا ملعون. إن الله لا يأمر بالفحشاء». فزالت الصورة الخادعة. ولم يُخدع، لأنه حكم على التجربة بميزان العلم الصحيح.

سرّ افتتاح الورد بالاستغفار

يبيّن العلماء أن تقديم الاستغفار في أول الورد يغسل القلب من الأدران والأثقال حتى يصير مستعدًّا لتلقّي الأنوار التي تنشأ من الأذكار التي تليه.

ثم تأتي الصلاة على النبي قبل كلمة التوحيد. وفي هذا الترتيب، يقولون، سرّ لطيف: فالصلاة على النبي تكنس ما بقي من آثار الدنس العالقة بالقلب، حتى تُهيَّأ النفس لحمل ما تُنتجه كلمة التوحيد المكرّرة من حقائق ولطائف وأسرار ومعارف تفيض من الحضرة الإلهية عبر الحقيقة المحمدية على الأرواح النورانية وعلى الصور الجسدية الظلمانية.

ويضيفون أنّ في هذا النسق لطائفَ عاليةً وأسرارًا خفيّةً لا يعرفها إلا أهل الذوق والمحبة والشوق.

الفرق بين الـخطاب المعطى لنبيّ والـخطاب المعطى لوليّXXXXX

يميّز العلماء تمييزًا بيّنًا بين الوحي النبوي والإلهام الممنوح للأولياء.

أمّا النبيّ، فقد يأتيه البلاغ بواسطة مَلَك، أو بغير واسطة، أو عبر رؤيا صادقة، أو على هيئة فيضٍ مباشرٍ في القلب. وكلّ ذلك يُسمّى وحيًا ويُنسب على الحقيقة إلى الله تعالى. ومن أنكر ما عُلِم من هذا الوحي بالضرورة فهو واقعٌ في الكفر.

وأمّا الوليّ، فإنما يُعطى شيئًا يُلقى في القلب، فيورث سكينةً وانشراحًا للصدر. وهذا هو الذي يُسمّى حديث النفس أو الإلهام. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّ في الأمم قبلنا «مُحَدَّثين»، فإن يكن في هذه الأمّة أحدٌ منهم فهو عمر. وفي روايةٍ أخرى وُصفوا بأنهم يُخاطَبون وليسوا بأنبياء.

فهذه هي الفَرْقَة: فالوحي للنبوة، والإلهام للولاية.

سُنّة السبحة

يثبت العلماء مشروعية السبحة بالاستدلال بما ورد في الآثار الأولى.

روت صفيةُ أمّ المؤمنين أنّ النبيّ دخل عليها وبين يديها أربعةُ آلافِ نواةِ تمرٍ تُسبّح الله بها.

ورُوي أيضًا أنّ سعدَ بن أبي وقّاص كان يستعمل الحصى أو نوى التمر للذِّكر، وأن أبا الدرداء كان له كيسٌ من نوى التمر يستعمله كلَّ صباح، وأن أبا هريرة كان يحتفظ بكيسٍ من الحصى أو نوى التمر للغرض نفسه، وأن فاطمةَ بنت الحسين كانت في يدها حبلٌ معقودٌ تتذكّر به.

كما ذُكر خبرٌ عن عليٍّ، كرّم الله وجهه، أنه قال: «نِعْمَ آلةُ الذِّكرِ السُّبحة».

وعليه، يُعرض استعمال السبحة لا بوصفه بدعةً مخالفةً للسُّنّة، بل بوصفه أمرًا تؤيّده السوابقُ العمليةُ والممارسةُ التعبدية.

أهمية صلاة الفاتح

يذكر العلماء أن صلاة الفاتح تضمن خير الدنيا والآخرة لمن داوم عليها على وجه الاستمرار، ولكن بإذنٍ صحيح.

ويشرحون أن مرتبتها الظاهرة متاحةٌ لكل من قرأها، بإذنٍ أو بغير إذن؛ لأن ناقلها، سيدي البكري، قال عن نفسه إن من قرأها مرةً ثم دخل النار جاز له أن يتشبّث به عند الله. ورُوي أيضًا أن قراءةً واحدةً منها تعدل ستمائة ألف قراءةٍ من سائر الصيغ.

غير أن سيدي أحمد التيجاني بيّن أبعادًا من رتبتها لم يبيّنها غيره. وهذه تتوقف على نية القارئ. فقد يقرؤها المرء من غير أن يقصد صفةً روحانيةً مخصوصة، فينال ثوابًا عامًا، كما ينال عامةُ الناس الثوابَ العام على الأعمال الصالحة. وأمّا المرتبة الباطنة والمرتبة الأباطن فتحتاجان إلى إذنٍ وإلى معرفةٍ بالخصوصية الفاضلة المتعلّقة بهما. وبمعرفة تلك الفضيلة تُنال الدرجة الأعلى، وهذا أحدُ أسباب تفوّق عبادة العالم.

لذلك يحذّر العلماء من أن يتجرّأ أحدٌ على نقل هذه الصلاة بإحدى مراتبها الروحية بغير إذن. فمن فعل ذلك عرّض نفسه لأن يدّعي ما لا إذن له فيه، فيُدخل نفسه في جملة المحرومين.

الفرق بين العبادة والعبودية والعبودية المحضة

يفرّق العلماء بين ثلاثة مفاهيم متقاربة لكنها مختلفة.

فالعبادة هي إتيان العبد بالأعمال الصالحة مع طلب الثواب.

والعبودية هي إتيان الأعمال الصالحة لله خالصًا، مجرّدةً من رغبة الثواب، متوجّهةً إليه وحده.

وأما العبودية المحضة فهي العمل بالله. وهي أعلى هذه الدرجات، ولأجل ذلك يكون لمقام العبودية المحضة تسلّطٌ وغَلَبةٌ على سائر المقامات.

وهذا التفريق وجيزٌ، لكنه عميق. فهو يضع الحدّ الفاصل بين فعل الخير للمنفعة، وفعل الخير لله، وبين أن يحمل الله العبدَ في نفس الفعل.

أمورٌ تتطلب إذنًا خاصًا

يقول العلماء إن أمورًا معيّنة تستلزم على وجه القطع إذنًا مخصوصًا وخاصًا، سواء كان من الله، أو من النبيّ، أو من الشيخ، وسواء مُنح في النوم أو في اليقظة.

ومن تلك الأمور بناءُ زاويةٍ لقراءة الوظيفة. فلا ينبغي إنشاء مثل هذا الموضع بغير إذنٍ خاص، وإلا فقد يقع فيه ضررٌ جسيم وغِشٌّ خطير.

وكذلك إذا أراد الإخوة في بلدةٍ أو ناحيةٍ أو قرية أن يبدؤوا قراءةً جماعيةً جهريةً للوظيفة في موضعٍ لم تكن قد أُقيمت فيه من قبل، فإن مثل هذه الخطوة تحتاج أيضًا إلى

إذن. فإن اجتمعوا من غير ذلك الإذن حذّر العلماء من خطرٍ شديدٍ وعواقبَ ضارّة، لأن الإذن حِرْزٌ وحماية.

معرفةُ مَن هو المطلوبُ حقًّا

يقول سيدي أحمد سكِيرِج: الله أعلى وأجلُّ من كل شيء، وهو المطلوب. من عرف ما يطلب سَهُل عليه كلُّ ما يلاقيه.

ويقول بيتٌ آخر: سبحان من لا يُخيّبُ من طلبه؛ من طلب الله بصدقٍ وجده.

ويشرح العلماء أنه إذا عُمِل العملُ خالصًا لوجه الله قبله الله، وجعل القَبولَ له في قلوب عباده. ويقولون أيضًا: من خدم المولى خدمته العبيد.

ولكن كيف يتقدم المرء إلى حضرة الله؟ ينقلون المعنى القدسي: «أنا مع من انكسرت قلوبهم من أجلي». ثم يستخرجون لطيفةً من حرف الجر «بـ»، وهو حرفٌ مكسور. ولما كان هذا الحرف لا ينفكّ عن حال الانخفاض، قالوا إن الله وضعه في أول البسملة إشارةً إلى أن لا يتقدم إلى حضرته إلا أهل الانكسار الباطن.

كيف يرضى المرء بالقضاء الإلهي

يتناول العلماء نكتةً كلاميةً دقيقةً تتعلق بكيفية علاقة المرء بما قضاه الله.

يقولون إن للكفر نسبةً إلى الله من حيث إنه يخلق الأشياء كلها ويُوجدها، وله نسبةٌ أخرى إلى العبد من حيث يصير صفةً للعبد وحالًا له. فيُردّ ويُذمّ بحسب النسبة الثانية لا الأولى. وكذلك قد يُتكلّم عن الرضا به بحسب النسبة الأولى، بمعنى قبول قضاء الله وحكمته، لا بحسب النسبة الثانية، بمعنى استحسان الكفر نفسه.

والفرق ظاهر: فالرضا بأن شيئًا صدر عن القضاء الإلهي لا يعني استحسان ذلك الشيء نفسه بوصفه حالًا مذمومًا في المخلوق. ولو كان الأمر كذلك للزم استحسان موت الأنبياء لمجرد أنه وقع بالقضاء الإلهي، وهذا باطلٌ بالإجماع.

ثم يقولون: ما لا يرضاه الله لا يجوز أن يُرضى به في نفسه. وقد قال الله إنه لا يرضى الكفر لعباده. لذلك لا يجوز لعبدٍ أن يرضى بالكفر من حيث هو كفر. وإنما يجوز قبول القضاء من حيث يعكس الحكمة الإلهية والعدل، وموافقةَ المشيئة الإلهية للعلم الإلهي.

ثم ينقلون عن ابن عطاء الله: كلما أعطاك الله أراك برَّه؛ وكلما منعك أراك قهرَ جلاله.XXXXX

في كلّ ذلك، إنّما يعرّفك بنفسه ويُقبِل عليك بلطف عنايته الخفيّ.

تأمّل ختامي

تقدّم هذه اللآلئ صورةً متّزنة على نحوٍ لافت لطريق التجانية.

إنّه طريقُ جمالٍ وشكرٍ وانضباطٍ وشريعة. يُكرِم الأولياء من غير أن يهجر ميزان الشريعة الغرّاء. يُثبت الإلهام مع رفض الوهم. يُجلّ إحكام النبيّ وسيادته مع التحذير من التهوّر في الجدل العقديّ. يُثمّن الأورادَ والإجازةَ والتواضعَ والانكسارَ الباطن. وهو يُعيد السالك على الدوام إلى الحقيقة المركزية: الله هو المطلوب.

وعلى هذا النحو يعلّم علماءُ التجانية روحانيّةً ساميةً ورزينةً في آنٍ واحد، غنيّةً بالمحبّة ولكنّها راسخةٌ في التمييز، مفعمةٌ بالفتوحات ولكنّها مقيّدةٌ بالأدب. وهذه ليست تفاصيل هامشيّة؛ بل هي من الأصول التي تحفظ للطريق كرامته الباطنة وتماسكه.

++++